من جهة الاندماج التامّ بين الذات والكتابة يأتي أمين معلوف. من "ليون الإفريقي" و"سمرقند" و"صخرة طانيوس" التي نالت جائزة "غونكور"، أرفع الجوائز الأدبية في فرنسا، إلى "الهويّات القاتلة" و"اختلال العالم" وأخيراً "غرق الحضارات"، يمعن الكاتب في الإصغاء إلى أحوال العالم والتحدّيات التي تواجهه، كما يرصد حركة المدّ والجزر بين الشرق والغرب انطلاقاً من معرفته العميقة بالعالمين اللذين يتألّف منهما منزله الثقافي وهويّته العميقة التي تبطل فيها المسافة بين الجنسيات والإتنيات واللغات والأديان.
تطالعنا الأجواء المتوسّطية في معظم أعمال معلوف، كما يطالعنا هذا التأرجح الدائم بين ضفّتَي المتوسّط، كأنّهما، بالنسبة إليه، دفّتا كتاب واحد. وهذا ما ينعكس في معظم أعماله بدءاً من روايته الأولى التي أتينا على ذكرها ("ليون الإفريقي")، وهو الاسم الغربي للرحّالة والعالِم والديبلوماسي الحسن بن محمّد الوزّان، الذي عاش السنوات الأخيرة لحكم المسلمين في الأندلس قبل أن يهاجر إلى المغرب بعد سقوط غرناطة، ومنها بدأ ترحاله الطويل. معلوف، مثل بعض أبطال رواياته، يحمل في نفسه جذوراً متعدّدة وثقافة متنوّعة.
في هذا السياق، جاء في تقرير لجنة التحكيم التي منحته جائزة "أمير أستورياس للآداب"، الجائزة الإسبانية العريقة، أنّ أعمال معلوف المترجمة إلى عشرات اللغات "تجعل منه أحد الكتّاب المعاصرين الذين سبروا ثقافة حوض المتوسّط كمساحة رمزيّة للتعايش والتسامح". هذه المساحة الرمزيّة هي أحد الهواجس الأساسيّة التي تشغل صاحب كتاب "حدائق النور"، سواء في أعماله الروائيّة أو في كتبه الأخرى التي تستند إلى التاريخ والبحث.

وإذا كان معلوف قد ركّز في كتابه "الهويّات القاتلة" على تنامي الهويّات وتعارضها والتعبير المتطرّف عنها، وعلى نبذ الحروب والانقسامات القومية والدينية، فهو في كتابه الأخير "غرق الحضارات"، يتناول انهيار الحضارات لا تصارعها، ويرصد تراجع المنتصرين والمهزومين على السواء، ويقدّم تحذيراً آخر لأرض لم تعد تدور بل تقف على شَفا سديم. يقول معلوف إنّ العالم اليوم يفتقد إلى سلطة لها مصداقيّة، ويحمّل مسؤوليّة الانهيار إلى الدول العظمى وفي مقدّمها الولايات المتحدة، وتالياً أوروبا التي تراجعت عن دورها وبدأت تتفكّك مع انسحاب بريطانيا وتصاعد التيارات التي تشكّك في جدوى الاتحاد الأوروبي.
من نافذة منزله في بيروت حيث رأى حادثة عين الرمّانة، إلى نافذة أخرى مطلّة على العالم، يقدّم معلوف شهادته الخاصّة. وهو يراهن على القواسم المشتركة بين الشعوب، وعلى دور الثقافة في مدّ جسور التواصُل والحوار المتكافئ. ضمن هذا الاُفق، دخل أمين معلوف "الأكاديميّة الفرنسية" العام 2011 خلفاً لعالم الأنتروبولوجيا الشهير كلود ليفي ستروس الذي يتقاسم معه القلق على واقع البشرية ومستقبلها، وكذلك النظرة إلى حضاراتها الراهنة المهدّدة وحاجتها إلى ثقافة أخرى جامعة. ألم يقل ستروس إنّ الأرض وُجدَت قبل ملايين السنين من وجود البشر وأنّ البشر، إذا ما استمرّوا في هذا المسار، سينتهون قبل ملايين السنين من نهايتها.
يجسّد أمين معلوف أيضاً أحد الذين يمثّلون وجه لبنان الحقيقي، الجميل والحرّ، خارج سجن الطوائف والتحزّبات الصغيرة والاعتبارات الضيّقة. وهو صاحب أفكار علمانيّة متقدّمة في رؤيتها وحداثتها. إنه أحد الأصوات القليلة التي تجمع بين القول والفعل، بين البُعدين الإبداعي الجمالي من جهة، والإنساني الأخلاقي من جهة ثانية، وهذا ما يضعه في موقعه المميّز، ويُكسب فلسفته في الحياة مصداقية ومعنى، ويجعله لبنانياً بقدر ما هو فرنسي، وبقدر ما هو أيضاً ابن العالم أجمع.