سيلفانا أبي رميا

إختصاصية العلاج بالموسيقى يندي سركيس: الموسيقى دواء ثوري

6 دقائق للقراءة
خلال جلسات العلاج بالموسيقى
عرف العرب منذ القدم أن للموسيقى دوراً مهماً في علاج الأمراض النفسية والجسدية. وكان أبو نصر محمد الفارابي أول مَن استخدمها في العلاج النفسي. وبلور هذا الفيلسوف والطبيب العربي رؤيته في مؤلفات عديدة، منها "كتاب الموسيقى الكبير" و"إحصاء الإيقاعات". وكانت الموسيقى تُعزف للمرضى في المستشفيات بمقامات مختلفة بحسب حالة كل مريض، إذ هناك مَن يتأثر بمقام الحجاز وآخر بمقام الكرد وهكذا. اليوم، يعود العلاج بالموسيقى إلى الواجهة ليشكّل عنصراً أساسياً في الحفاظ على صحة المجتمعات الذهنية والتخفيف من الجرائم. "نداء الوطن" إلتقت اختصاصية العلاج بالموسيقى يندي سركيس، التي اختارت أن تكون في صفوف هؤلاء الجنود الذين يكرّسون طاقاتهم وإمكانياتهم الموسيقية في علاج الفئات المسنّة.

هل ثمة اختصاص جامعي في لبنان يدرّس العلاج بالموسيقى؟

يشكّل العلاج بالموسيقى جزءاً في بعض الاختصاصات الموسيقية في بعض جامعات لبنان إلا أنه لم يصبح اختصاصاً جامعياً بحدّ ذاته بعد، إنما هناك جهود محلية للوصول إلى هذا الموضوع.

كيف دخلت هذا المجال؟ وما مدى علاقتك بالموسيقى؟

أحب الموسيقى منذ الطفولة فلطالما شكّلت لي ملاذاً ومساحةً مريحةً أهرب إليها. وخلال تخصّصي الجامعي ما بين علم النفس وعلم الموسيقى قرّرت الجمع بين الإثنين، وبما أن اختصاص العلاج الموسيقي لم يكن متوافراً في لبنان، سافرت إلى بلجيكا وتحديداً إلى بروكسل حيث درسته وتخرّجت.

هل تعتبرين العلاج بالموسيقى أساسياً؟

العلاج بالموسيقى يوازي العلاج النفسي والصحي أهميةً، وهو للأسف لم يصل إلى درجة اعتماده في لبنان.

أؤمن أن هذا النوع من العلاج يجب أن يتواجد، ليس فقط في دور رعاية المسنين، بل في الحضانات والمدارس والسجون والمستشفيات وحتى في الشركات. فللموسيقى قدرة خارقة على تحسين الأداء والحالة الذهنية كما أنها تساعد مجتمعاتنا على تخفيف حالات الانتحار والجرائم.

لماذا اخترت "بيت رفقا" بالذات؟

جولاتي كانت كثيرة على دور الرعاية والحضانات التي من الممكن أن أبدأ مسيرتي معها، لكني اخترت "بيت رفقا" كونها من دور المسنين القلائل التي ما زالت تحافظ على معايير النظافة والسلامة والاحترام وحسن التعامل.

ومنذ 5 سنوات حتى اليوم انضممت إلى عائلتهم وبات العلاج بالموسيقى جزءاً لا يتجزّأ من روتين العناية بالمسنين، ولمسنا مع الوقت تحسّنات واضحة وكبيرة في حالتهم النفسية وفي تعاملهم مع الحياة ومع بعضهم البعض.

كم عدد المسنين هناك وكيف تقسّمين صفوفك؟

أتعامل حالياً مع ما يفوق الـ70 مسنّاً ومسنّة، مقسّمين على صفَّين وحصّتَين في الأسبوع. نجتمع عادةً في صالة مخصصة للنشاطات، إلا أنني أستثني بعض المسنين الذين لا يستطيعون مغادرة غرفهم لأسباب صحية، فأزورهم أنا في هذه الحالة ويكون الصف فردياً. ولا أزال ألمس يومياً حماسة هؤلاء للعلاج الموسيقي ودخول صفوفي والاستمتاع والتنفيس عن مكنوناتهم.

ماذا يحدث داخل صف العـــــــــــلاج الموسيقي؟

ينقسم الصف إلى 4 مراحل، حيث نبدأه بتبادل السلام والسؤال عن بعضنا البعض والاستماع إلى من لديه قصة أو موضوع أو حالة معينة تؤرقه أو تزعجه.

ننتقل بعدها إلى سماع أغنية تحمل طابعاً معيناً، ممكن ان تكون رومنسية أو سياسية أو غيرها، ونقوم بمناقشتها والتعبير عن الأفكار والذكريات التي مرت بذهن كل شخص لدى سماعها.

في المرحلة الثالثة، يستلم كل مسنّ آلة موسيقية من اختياره ونبدأ بالعزف عشوائياً إلى أن نصل إلى لحن شبه متناغم كالذي تعزفه الأوركسترا.

ونختتم الصف بالرقص من دون قيود، وقوفاً أو جلوساً، المهم الوصول إلى ضبط وتحسين الإيقاع الداخلي للشخص.

ما أكثر المشاكل النفسية التي يواجهها مسنّو المأوى؟

في بعض الحالات يكون المسنون مصابين أصلاً بمشاكل نفسية قبل دخول المأوى. لكن أكثر ما نلمسه هنا هو حالات الاكتئاب التي، بالرغم من الجهود الكبيرة المبذولة من فريق الدار، تتفاقم مع الوقت ولا يمكن تركها من دون علاج.

فالمسنّ يعيش روتيناً معيّناً بعيداً عن عائلته، ويقارن معظمهم حياته السابقة بالحالية وما ينتظره مستقبلاً. هذا كله يوصلهم للاكتئاب الذي إن لم يعالَج يقتلهم رويداً رويداً.







ما الصعوبات التي تواجهينها خلال جلسات العلاج معهم؟

الصعوبات كثيرة لكن بتنا نعرف كيف نتعامل مع كل شخص بفضل الممارسة والاحتكاك اليومي معهم. لكن تبقى المزاجية أصعب ما يمكن التعامل معه عند المسنين خصوصاً داخل صفي، وهو أمر خارج عن إرادتهم تسببه قلة النوم وكثرة الأدوية والارتباك الزمني الذي يمرّون به.

ما تأثير الموسيقى على الذاكرة؟

في حالات المصابين بالخرف أو Dementia، نعمل خلال الجلسات على ما يسمّى بالذاكرة طويلة الأمد، لأنها تحتوي على الذكريات والمشاعر. وتساعد الموسيقى هؤلاء على العودة إلى الوراء واسترجاع بعض ما مرّوا به من فرح أو حزن، وفي الحالتَين يسهم ذلك في التعبير عن حالتهم بالبكاء والكلام والغنــاء. هذه النتيجة تتطلب عدداً ليس بقليل من الجلسات لنبدأ بتلمُّسها، كما أن درجة الخرف تؤثر كثيراً على نجاح العلاج. لكن في معظم الحالات، وبفضل العلاج بالموسيقى والغناء والنشاطات التي أنظمها، يستعيد أكثرية المسنين ذكريات وأحاديث ولحظات، ويشاركونها معنا ما يعيد إليهم الشعور بالارتياح والثقة بأنفسهم وبأنهم ما زالوا عنصراً له وجوده وكيانه في المجتمع والحياة.

هل للعلاج بالموسيقى دور في محاربة الاكتئاب؟

طبعاً، فهو يكمل ما قد يعجز عنه العلاج النفسي. بمعنى آخر، هناك أشخاص لا يعرفون كيفية التكلم والتعبير والإفصاح عمّا بداخلهم للمعالج النفسي فيلتزمون الصمت وتفشل المحاولة، وهنا يأتي دور الموسيقى، التي تتمتع بقوة خارقة يجهلها كثيرون، وهي تساعدنا كثيراً في علاج المسنين نفسياً وهو ما ينعكس إيجاباً على حالتهم الصحية والجسدية.

هل تؤيدين إدخال المسنّ إلى المأوى؟


أنا مع إدخال المسنّ المحتاج للرعاية إلى مأوى بدل تركه في المنزل. لكن يتطلب ذلك قبل كل شيء اختيار دار محترمة وملائمة للمعايير. المسنّ هنا محاط بفريق كبير من الاختصاصيين الذين يوظفون طاقاتهم وخبراتهم لإعطائه ما يلزم من عناية وحنان ورعاية طبية ودعم نفسي، كما أنه بعيد عن روتين الجلوس وعدم الحركة في البيت. في المأوى سيتمكن المسن من التعرف إلى أصدقاء جدد، والانخراط معهم في نشاطات صحية ومسلية، وهذا ضروري لصحته العقلية والجسدية.

لحظات بقيت محفورة عندك خلال علاج هؤلاء؟

لا شيء يشعرني بالحزن أكثر من رؤية مسنّ يتألم نفسياً أو جسدياً. تحبطني اللحظات التي يقارنون فيها أنفسهم الآن بالماضي الذي عاشوه، فالأمر ليس بالسهل أبداً. في المقابل أتذكر كل لحظة حصدت فيها ثمرة علاجاتي فارتسمت على وجه من الوجوه ابتسامة راحة وأمل وتقدير.

لماذا اخترت المسنين بالذات؟ وليس الأطفال مثلاً؟

بالرغم من أنني أعشق التعامل مع الأطفال، إلا أنني اخترت المسنين لكونهم فئة أعطت الكثير لنا ولمجتمعاتنا ووصلت لمرحلة تستحق أن ترتاح فيها وتُقدَّر على كل ما ضحّت به. هدفي رسم الابتسامة على وجوه هؤلاء، وتلوين حياتهم بالموسيقى والضحك والغناء والحب والحنان كي يدركوا أنهم سيبقون رغم كل عجزهم عناصر فعّالة وقيّمة بيننا.