شربل داغر

كونفوشيوس... العربي!

3 دقائق للقراءة

أنصرفُ، منذ عدد من الشهور، إلى قراءة متوسّعة في التقليد الصيني القديم، متنبّهاً خصوصاً إلى دور كونفوشيوس، المعلّم الأول، الذي يُشكّل حتى اليوم الإحالة المرجعية للصينيين. ما استوقفني في "تعاليم" المعلّم كونه يجعل من "عبادة الأسلاف" الركيزة الأولى في منظوره وإرشاداته. ويعني السلف عنده سلسلةً بعيدة وقريبة من الأشخاص الطبيعيين والرمزيين. هذا ما يبدأ من سلطة الأب على أبنائه إلى سلطة الأمبراطور على أفراد رعيّته، مثلما يشمل الأجداد البعيدِين...

ويتأكد انتظام هذه السلسلة في السهر على طقوسها واحتفالاتها، ما يبني تراتبية تنتهي إلى أن تكون مرتضاة، و... طبيعية بالتالي.

هذا القبول، هذا الرضى الطوعي، يوفر "لحمةَ" المجتمع، ويزيل بالتالي أسباب التناحر والتخاصم. هذا يصون وحدة المجتمع، ووحدة الإمبراطورية الصينية، التي عايشت، في تاريخ سلالاتها الحاكمة، عهوداً من الانقسام والتضعضع. إلا أن هذه الاجتماعية الأخلاقية عنتْ بالأخص قبولاً سياسياً بالإمبراطور، بأسرته، بورثته الطبيعيين...

ما دعاني إلى هذه الوقفة يتأتّى ممّا نعيش، ممّا لا ننجح فيه، وهو إقامة حكم عربي "مستقر"، ومقبول به. هذا ما لا تَنجح فيه سياسات عربية عديدة على الرغم من دعوتها إلى العودة إلى الأسلاف الصالحين.

اللافت في هذه الدعوة، التي انطلقت في القرن التاسع عشر على ألسنة مشايخ مسلمِين متنورِين، هو أنها قامت للردّ على التداعي العثماني، من جهة، وللردّ على تحديات فكر "عصر الأنوار"، من جهة ثانية.

هذا يعني أنها كانت دعوة إصلاحية، تتوخّى بناءَ تصورٍ للسياسة غير المعمول بها. إلا أنها كانت، واقعاً، دعوة عجائبية، لا تاريخية، ولا سياسية. كانت أقرب إلى أمنية، منها إلى برنامج. أقرب إلى حلّ سحري، منها إلى صيغة حكم.

كيف لا، والعودة إلى الأسلاف الصالحِين تُسقط تماماً النهايات الدموية للخلفاء الثلاثة المؤسسين (عمر، وخالد، وعلي). وما تَستبقيه هذه الدعوة، أو تشير إليه، هو حُكم الشورى، فيما أظهرَ هذا الحُكم - لو طلبنا التدقيق - النزاعات القبلية الحادة بين سادة الصحابة القريشيين، بل انتهى عملياً، حسب الجاحظ وغيره، إلى "المُلك العضوض"، وهو تَحوّل الخلافة إلى مُلك وراثي، ما لن ينقطع، بل سيصبح أساس الحكم، وركيزة الغلبة، منذ معاوية إلى نهاية الحقبة العثمانية.

في هذا التاريخ الطويل، يَستسهل الكثيرون النقاش حول مسلسل "معاوية"، الذي لم يبصره أحد (عند كتابة هذا المقال): يناقشون ويختلفون كما لو أنهم خارجون للتو من معركة صفين، ومن تحكيم المصاحف... كما لو أن ألفاً وعدة قرون لم تَحدث منذ تلك الوقائع العنيفة. كما لو أن التاريخ لم يحصل، ولم نتعرف إليه، ولم نستخلص عبراً منه.

وهذا كله يدلّ - بكل فجاجة - على أن السياسة لم تَكتب بعد حروفها الأولى، وأن عبادة الأسلاف هي لتجديد الشقاق، ومحو الآخر، واستعباد الاستبداد.