شربل داغر

في غرام ألبير كامو وسيمون دو بوفوار وغادة السمان!

3 دقائق للقراءة

لا تنقطع سنة في المطبوعات الفرنسية من دون حدث أو أكثر يطاول المؤلفات أو الرسائل المجهولة لكتاب فرنسيين، المشهورين منهم خصوصاً.

في هذه الأيام وقعت على خبرَين لافتَين: واحد يخص ميشال فوكو، والثاني يخص ألبير كامو وسيمون دو بوفوار.

كتاب جديد لفوكو، بعنوان: "الخطاب الفلسفي"، يستعرض فيه تبدلات الخطاب من ديكارت وصولاً إلى نيتشه مروراً بكنط.

ما استوقفني فيه أمران: الأول هو أن نشر الكتاب يخالف وصية فوكو نفسها، وهي أنه ما كان يريد نشر أي شيء له بعد موته. دار النشر أحسنت صنيعاً في ما أرى. إذ إن كتاباً لأستاذ بقيمة فوكو لا يقل قيمة من دون شك عن قيمة دروس بيار بورديو الجامعية التي جُمعت ونُشرت بعد موته. كما أن دروس فوكو لا تقل قيمة عن "محاضرات" فردينان دو سوسور التي جمعَها طلابه، ونشروها في الكتاب الشهير، "محاضرات في اللسانية العامة"، لأستاذ اللسانية الحديثة، بعد وفاته.

اما الأمر الثاني بخصوص كتاب فوكو، فهو أنه يشتمل على قسم يَنظر فيه إلى فلسفة إيمانويل كنط من منظور الانتروبولوجيا (الأناسة)؛ وهو أمر يريحني ويؤكدني في ما ذهبت اليه وكتبتُه في غير محاضرة وكتاب عن الجانب الاناسي في فلسفة كنط. ففيلسوف "العقل المحض" اقترب، خاصة في مباحثه حول الشعر والتصوير، من النظرة التي ترى إلى هذه الفنون المختلفة من خلال تاريخها العيني واستعمالاتها الاجتماعية.

اما الكتاب الثاني، فهو "قنبلة مدوية" في سيرة الكبيرين : ألبير كامو وسيمون دو بوفوار.

رسائل ملتهبة غراما بينهما، من دون أن يشير أحد إلى ذلك، فيما خلا الخلاف الحاد، بل القطيعة بين كامو وجان- بول سارتر (وقد تفسر الرسائل المكتشفة عن سبب الخلاف). ما توصلت إلى قراءته رسالتان رقيقتان و"حاميتان"، ما يكشف عن ولعهما بكلمات بسيطة وعميقة في آن : يعيشان حبهما من دون خفر أو ارتيابات أو تحسبات، كما لو انه اللقاء الأخير.

ما يعنيني في هذا كله، هو أن الكتاب - بل حتى الرسالة الفردية - لا تعود في هذه التقاليد الفرنسية إلى صاحبها أو صاحبتها، بل هي ملك عام، شأن يخص جمهور القراء وعالم الثقافة. هكذا يصلنا الكثير من رسائل الأدباء بالفرنسية، ثم يتم طبعها.

هكذا يَعهد كتاب فرنسيون كثر، ولا سيما من المشهورين منهم، بمكتباتهم ومسوداتهم ورسائلهم إلى جهة فرنسية رسمية باتت مولجة بعمليات الحفظ هذه.

أما في بلادنا، فأدباء، وشعراء منهم خصوصا، تباهوا، في أحاديث لي مع بعضهم، بكونهم لن يخلفوا مسودات قصائدهم ابداً. كما لو أن أفعالهم الكتابية ترقى إلى النبوءة، أو الى الفعل العجائبي الذي لا يجوز الاحتفاظ بنسخه وتردداته وعمليات الشطب والمحو فيه. أما عن رسائل الأدباء، فإن الأديبة السورية غادة السمان تكتفي (حتى تاريخه) بنشر ما بلغها من رسائل غرام غسان كنفاني أو انسي الحاج فيها، من دون رسائلها هي لهؤلاء العشاق. كما لو أن سيرتها معهم تقتصر على ما قالوه فيها وحسب !