ليس دور لبنان أن يكون "غزة ثانية". ولا جغرافيا غزة، بصرف النظر عن الدور الطبيعي لحركتي "حماس والجهاد الإسلامي" وراديكالية موقفهما الفلسطيني، تسمح بأن يلعب القطاع في تحرير فلسطين دور هانوي في دعم الفيتكونغ لتحرير فيتنام الجنوبية من نصف مليون جندي أميركي يحتلونها بقيادة الجنرال وستمورلند. فالصواريخ لا تحرر أرضاً، وإن صنعت دماراً وذعراً عند العدو. ولا تمنع المحتل من تدمير ما يصعب تعويضه في لبنان وغزة نظراً للأوضاع الإقتصادية الداخلية الصعبة والأوضاع العربية المشدودة الى أمور أخرى. والتضحيات الكبيرة التي قدمها الشعب الفلسطيني على مدى قرن، والشعب اللبناني منذ بدأت حركة "فتح" تحرير فلسطين عام 1965 من على أرض لبنان وما إنتهت إليه من حرب لبنان الطويلة وحروب إسرائيل على لبنان وإحتلال العدو لكل فلسطين ومعها سيناء والجولان عام1967.
القضية تعاد اليوم الى البدايات قبل هزيمة حزيران 1967 التي فرضت على الدول العربية الإكتفاء بشعار "إزالة آثار العدوان" بعد شعار "إزالة إسرائيل"، ودفعت منظمة التحرير الفلسطينية الى "إتفاق أوسلو" على الطريق الصعب الى "حل الدولتين". وعنوان اللعبة هو "وحدة الساحات" ضمن "محور المقاومة" في اليمن والعراق وسوريا ولبنان وغزة بقيادة "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني. لكن الرد من لبنان وغزة على إستفزازات إسرائيل في القدس وإقتحامها للمسجد الأقصى وإعتداءاتها على المصلين والمعتكفين يتوقف عند حاجز إسمه قواعد اللعبة: إجبار إسرائيل على إلتزام قواعد الإشتباك وعدم خرق الخطوط الحمر. وما يفاخر به "حزب الله" هو الوصول الى تحقيق "توازن الردع" مع العدو. وهذا ما يطرح أسئلة لا مهرب منها.
ذلك أن "المقاومة الإسلامية" حررت الأرض التي إحتلتها إسرائيل في لبنان بإستثناء مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وقرية الغجر، حيث لا مقاومة فيها منذ سنوات. ثم بدأت تمارس دوراً إقليمياً على الأرض بالقتال الى جانب النظام في حرب سوريا، وتقديم الخبرة لفصائل الحشد الشعبي في العراق و "أنصار الله" الحوثيين في حرب اليمن. وهي عملت في الوقت نفسه على توسيع نفوذها في كل مفاصل السلطة ومؤسسات الدولة، وممارسة سياسة خارجية خاصة بها تناقض السياسة التقليدية للبنان تجاه الأشقاء العرب والأصدقاء الدوليين. ثم رعت الدور العسكري الفلسطيني في لبنان منذ إخراج منظمة التحرير منه، عبر تنامي دور "حماس والجهاد الإسلامي" والسماح بما تعلن حكومة تصريف الأعمال أنها ترفضه، وهو إطلاق الصواريخ من الجنوب.
وبكلام آخر، فإن "المقاومة الإسلامية" التي أعطت لنفسها دور المقاومة الإحتياطية لمواجهة أي إعتداء إسرائيلي على لبنان، بدأت تتحدث عن دور في تحرير فلسطين من خلال "وحدة الساحات ومحور المقاومة". لكن "توازن الردع" يضع حداً لعمليات تحريرية، إلا إذا كان مرحلة إنتقالية على الطريق الى دخول فلسطين من الجليل الأعلى. فهل هذا هو الوضع أم أن "محور المقاومة" مرتبط بمشروع أكبر هو المشروع الإقليمي الإيراني في المنطقة؟ وهل تقود "وحدة الساحات" بالفعل الى تحرير فلسطين وتحقيق ما عجز عنه الفلسطينيون والعرب على مدى عقود أم أن الحسابات الإستراتيجية والجيوسياسية الدولية التي حالت دون التحرير لا تزال سارية المفعول بقوة أميركا وأوروبا وروسيا والصين اليوم؟
يقول المؤرخ اليهودي طوني جوت:
"إسرائيل مغالطة تاريخية، دولة من قرن مضى". ولكن، ما الذي يمكن أن تفعله المقاومة من بلد ينهار؟