طوني كرم

ديوان المحاسبة يحسمها: عقد المطار باطل... وهذه حيثياته

7 دقائق للقراءة
رئيس الحكومة نجيب ميقاتي مستقبلاً وفد "الديوان"

بعد الغموض والإلتباسات التي رافقت تلزيم إنشاء مبنى جديد للمسافرين في المطار، والضغوطات السياسيّة والإعلامية التي دفعت وزير الأشغال العامة والنقل في حكومة تصريف الأعمال علي حميّة إلى التراجع عن الصفقة، وإعتبار عقد التلزيم المبرم وكأنه غير موجود، خلص ديوان المحاسبة في رأي استشاري صدر سنداً للمادة 87 من قانون تنظيمه بتاريخ 18/4/2023، بما خصّ إنشاء مبنى للمسافرين في مطار رفيق الحريري الدولي – بيروت TERMINAL 2، إلى اعتبار العقد الموقّع "باطلاً بطلاناً مطلقاً لا بل عديم الوجود ولا يترتب عليه أي أثر، وهو يتجاوز مسألة الإيجار إلى إنشاء واستثمار مرفق عام: مطار". وجزم بأنّه لا يمكن قانوناً توقيع عقود كهذه في ظل حكومة تصريف أعمال كونها تتضمن أعمالاً تصرفية، لاسيما وانها تلزم الدولة لفترة طويلة.



تألفت الهيئة من القضاة: رئيس ديوان المحاسبة محمد بدران، ورؤساء الغرف: عبد الرضى ناصر، انعام البستاني، نللي أبي يونس، ومن المستشارين المقررين إيلي معلوف وروزي بوهدير. وتضمّنت خلاصة الإستشارة النقاط التالية:

1- تشكّل الإتفاقية المتعلّقة بتشييد وتشغيل مبنى للمسافرين TERMINAL 2 بالطريقة المطروحة إمتيازاً لمرفق عام بطريقة الـBOT ويقتضى منحه بموجب قانون تطبيقاً للمادة 89 من الدستور، وإنّ عدم احترام هذا المبدأ يجعل هذا العقد باطلاً بطلاناً مطلقاً لا بل عديم الوجود ولا يترتب عليه أي أثر، ولا يمكن بالتالي الإستناد إلى قانون رسوم المطارات لإنشاء المبنى موضوع الرأي الراهن.

2- إنّ العقد المعروض ليس من عداد الصفقات العامة ولا تتّبع بشأنه الإجراءات التفصيلية المنصوص عنها في قانون الشراء العام، إنما يجب تطبيق المبادئ الواردة في المادة الأولى منه، ولا سيما المنافسة والعلنية والمساواة والشفافية.

3- إنّ هذا العقد لا يعتبر أيضاً تأجيراً لأملاك الدولة الخاصة للقول بتطبيق القرار 275/1926 عليه فهو يتجاوز مسألة الإيجار إلى إنشاء واستثمار مرفق عام: مطار.

4- لا يمكن قانوناً توقيع عقود كهذه في ظل حكومة تصريف أعمال كونها تتضمن أعمالاً تصرفية، لا سيّما أنها تلزم الدولة لفترة طويلة.

5- يمكن اعتماد الشراكة بين القطاعين العام والخاص في مثل عقود كهذه وفق القانون 48/2017، شرط استكمال النصوص اللازمة، وتطبيق قانون الشراء العام في كل ما لا يتعارض مع قانون الشراكة.

6- تحال باقي العقود المعروضة على الغرفة القضائية المختصة لإجراء التحقيقات وترتيب المسؤوليات عند الاقتضاء.

7- يقتضي إكمال التشريع بالتطبيق السليم له وإصدار المراسيم التطبيقية، وتعيين الهيئات والمجالس المنصوص عنها فيه، ووضع منظومة قانونية متكاملة تتعلق بأصول استثمار وإشغال المطارات عوضاً عن ورودها في جداول ملحقة بموازنات.

الحيثيات

وفي حيثيات رأي الديوان، اعتبر أنّ «الموضوع المطروح يتناول إستثمار مساحات في المطار وقد أعطي وصف إشغال أملاك عامة، وهو بتسميته ومحتواه يسوده غموض لناحية توصيفه، ولناحية القوانين التي ترعاه والتي تستخلص من التوصيف الذي يجب أن يعطى له». ورأى أنّ «هذا العقد الذي منح الشركة إشغال الملك العام قد سمح لها بإقامة «مطار» بالمعنى القانوني للكلمة وفقاً لقانون الطيران الصادر في 11 كانون الثاني سنة 1949 وتعديلاته والذي يعتبر مطاراً كل أرض أو سطح ماء مهيّأ خصيصاً لإقلاع الطائرات وهبوطها ومعدّاً لاستعمال المصالح الجوية العامة والخاصة (المادة 44)».

وأشار إلى أنّ «العقد المبحوث فيه بمنحه حق إستثمار المطار، يعطي الشركة حق إدارة مرفق عام لصالح الدولة، ولكن دون أن يتقاضى من الدولة بدلات عن إدارته ما يبعده عن وصفه بالصفقة العامة، بل يكون تعويضه عبر تقاضي بدل الخدمات مباشرة من المستفيدين من مرفق المطار الجديد». ولفت الديوان إلى أنّ «العقد المعروض بما تضمنه من عناصر البناء والاستثمار ونقل الملكية الى الدولة عند نهاية المدة يرمي إلى المساهمة في تنفيذ المرفق العام للطيران المدني ويدخل حقيقة ضمن ما يسمّى الـBOT، والتي تدخل في عداد عقود الامتيازات العامة التي تختلف أصول تلزيمها والمبادئ التي ترعاها عن الامتيازات العامة التي يرعاها الدستور اللبناني».

ويعتبر مطار بيروت الدولي من الأملاك العامة، كما جميع ملحقاته ومتمّماته الضرورية لتأمين سير هذا المرفق العام... بحيث تطبق عليها بالتالي النصوص التي ترعى هذه الأملاك طالما لم يثبت فقدانها تلك الصفة. وعليه، فإنّ إشغال أراضي المطار ومبانيه واستثماره يخضع لأحكام القرار التشريعي الذي يرعى الأملاك العمومية، إلا إذا وجد نص تشريعي خاص مخالف، فيقتضى عندئذ مراعاة هذا النص الخاص.

ورأى أنّ العقد المعروض والمتعلق بإقامة مبنى مطار Terminal 2 وبالشكل المعروض فيه ليس سوى إمتياز مرفق عام... وأنه لا يجوز منح أي التزام أو امتياز لاستغلال مورد من موارد ثروة البلاد الطبيعية أو مصلحة ذات منفعة عامة أو احتكار إلا بموجب قانون وإلى زمن محدود وذلك طبقاً لأحكام المادة 89 من الدستور.

واعتبر أنّ التعاقد في حالات الامتياز من دون الاستحصال مسبقاً على قانون يجيزه يجعل العقد الحاصل باطلاً بطلاناً مطلقاً ويعتبر عديم الوجود وهذا ما كرّسته المادة 30 من قانون موازنة 1990.

وأكد أنّ إشغال واستثمار مبانٍ أو أراضٍ في مطار بيروت الدولي، بالشكل الذي ورد في الإتفاقية لا يعتبر مشروعاً خاصاً لمنفعة أصحابه، ما دام الإشغال يرمي إلى تحقيق مصلحة عمومية هي تأمين حسن سير مرفق المطار الذي يستتبع عدم جواز خضوع مثل هذا الإشغال والإستثمار لنظام الإشغال المؤقت والعارض الذي يمنح وفق قانون رسوم المطارات.

ورأى «بما أنه يستفاد ممّا تقدم عدم خضوع عملية منح الإمتيازات لقانون الشراء العام بمضمونه المطلق، إنما يبقى وجوب خضوع الإجراءات السابقة لعملية منح الإمتياز أو الإحتكار للمبادئ العامة المنصوص عنها في قانون الشراء العام، وبالتالي يقتضى أن تجري عملية المنح بشفافية وعلنية وتنافسية وتُفرض إتاحة الفرص العادلة للجميع لتقديم عروضهم واقتراحاتهم، وعلى ضوء كل ذلك تُتخذ الإجراءات المناسبة لمنح الإمتياز».

وذكّر بأنّ «ديوان المحاسبة يضع تصريف الأعمال في الإطار الضيق المتمثل بالنفقات العامة التي تقتضي المصلحة العامة باستمرارها وذلك في ضوء أحكام قانون المحاسبة العمومية وقانون الشراء العام وأحكام قانون الموازنة العامة المصدق أصولاً من قبل المجلس النيابي، بحيث لا تدخل ضمن هذا النطاق إقامة المشاريع الكبرى الممتدة لسنوات طويلة تنتج عنها إيرادات كبيرة متداخلة بنفقات متنوّعة، ما يستوجب إقرارها بقوانين خاصة في ظل حكومة كاملة الصلاحية تتحمّل مسؤولياتها أمام السلطة التشريعية».

ولفت إلى أنّ مشاريع توسيع وتطوير وتأهيل مطار بيروت الدولي والطرق المؤدية إليه تمّت بمناقصة دولية وفقاً لكتاب مجلس الإنماء والاعمار رقم 602/1 تاريخ 6/4/2023، وقد كان في حينه قانون رسوم المطارات ساري المفعول كما هو حالياً ولم يتم الإستناد إليه لإجراء هذا المشروع. وخلُص الرأي في النتيجة إلى اعتبار عقد  الـ TERMINAL 2 باطلاً بطلاناً مُطلقاً ولا يُمكن إعطاؤه المشروعيّة من خلال الإستناد إلى عقد الشحن Cargo Center لأنّ هذا العقد بدوره تشوبُه مُخالفات قانونيّة عديدة ويقتضي إحالته على الغرفة القضائيّة المُختصّة لإجراء التحقيقات وترتيب المسؤوليات عند الإقتضاء.