سيلفانا أبي رميا

د. عادل قديح: أنا خارج السباق التكنولوجي وأعشق الريشة ورائحة الألوان

5 دقائق للقراءة

تحت عنوان "حاليات الجماعة" Collectivism، انطلق في 25 نيسان المعرض الفردي العشرون للباحث والفنان وعميد كلية الفنون في الجامعة الأميركية للثقافة والتعليم AUCE الدكتور عادل قديح في Escape Gallery بمنطقة الأشرفية، مستقبلاً الزوار ومحبي الفن التشكيلي حتى 24 أيار المقبل. 



على جدران المعرض البيضاء، تستوقفك 32 لوحة (بينها 3 ثلاثيّات) تأخذك في رحلة طويلة وعميقة لقامة فنية كبيرة وفي قراءات عن الواقع الذي عاشه اللبنانيون بين الثورة والجائحة والانهيار الاقتصادي.

وبابتسامة راقية، يستقبلك الدكتور عادل قديح بهيبته المعهودة، هو الذي وقّع حتى اليوم أكثر من 20 معرضاً ضخماً وخطّ بريشته المميزة ما يفوق الـ1200 لوحة. وفي سياق حديثه لـ"نداء الوطن"، يعود قديح إلى ذكريات جميلة زرعها في قلبه أول معرض له في مسقط رأسه النبطية، حيث حظيت لوحات "البورتريه" والمناظر الطبيعية بإعجاب الجميع، وقال: "لطالما عشقت الرسم منذ نعومة أظافري وتميزت فيه خصوصاً خلال المسابقات الرسمية التي كانت تدخل آنذاك منهج ما قبل صفوف البريفيه. أحببت الفن التشكيلي كثيراً وغُصت في هذا العالم الفريد حيث شكّل الفنان الإنطباعي العالمي سيزان مصدر إلهام كبير لي ولأعمالي".



الوان قديح بين الصخب والسكون



وعن عنوان المعرض أكّد أنه بدايةً كان سيطلق عليه اسم "تجلّيات" إلا أن الإيجابية البحتة التي يحملها هذا المرادف جعلته يغيّر رأيه خصوصاً وأن لوحاته هذه تعبّر عن نمط الحياة اليومي بمختلف اتجاهاته وتحركاته. وقال إنّ "عنوان "حاليات الجماعة" مستوحى من الحراك الشعبي الذي عرفه لبنان العام 2019، ثم حال السكون الذي أعقبه وتواجُد الناس في بيوتها بسبب جائحة "كورونا"، ويدل على التفاصيل الدقيقة والسلوكيات التي يعيشها الإنسان بشكل يومي".



وأضاف: "استوحيت أفكاري من مشاهد الشوارع التي صادفتها وعايشتها منذ بداية الثورة مروراً بالجائحة، حيث كانت الناس تتظاهر وترقص وتغني وتعبّر وتستنكر كما وتتشارك في الشارع أعراسها ومآتمها، ثم أتى الوباء ليفرغ هذه الساحات وألزم الناس بيوتها وساد الهدوء. وفي لوحاتي هذه حراك كبير جمع أشخاصاً من مختلف المعتقدات والإيديولوجيات في هدف ومطلب واحد للأسف باء بالفشل"، مردفاً بغصة: "نحن في بلد يحكمه نظام طائفي يمنع ويحرق أي جذور للتغيير".



وفي جولةٍ بين اللوحات، يلفتك التنويع في الشكل والمقاس والألوان، ولا يمكنك غض النظر عن الأعداد الهائلة من الشخصيات القابعة بأشكال جسدية مختلفة وغريبة على خلفيةٍ ملوّنة إنما صامتة. بين الصمت والحراك، والألوان والأشكال، تحتار العين وتُغرم مجدداً بما يقدمه هذا الفنان الراقي الذي استطاع على مرّ السنين أن يشيّد لنفسه قلعةً من الجمال والعمق والغرابة.



د. عادل قديح متفقّداً لوحاته (تصوير فضل عيتاني)



المعرض، بحسب قديح، ينقسم إلى اتجاهين: التعبيري التجريدي والفن الحركي. ويشدد على أنه استخدم في لوحاته هذه الأكليريك الذي يتضمن خاصيات اللون الزيتي والألوان المائية والأكواريل التي تعكس الشفافية. ويضيف: "بهذه الأدوات نجحت في جعل لوحاتي مزيجاً بين الصخب والحركة شديدة الحضور والسكون الإجباري الذي فرضته الجائحة".

أما عن الإقبال، فقد شهد المعرض منذ يوم افتتاحه حضوراً كثيفاً، حيث لم يتردّد الناس في تلبية دعوة قديح الذي كان يعرف مسبقاً أن محبّي أعماله ومتابعيه متحمسّون لمعرضه الحالي وسيحضرون ليروا ويلمسوا ويقارنوا بين قديمه وجديده. وأجمعوا على جودة الأعمال وقيمتها الجمالية النادرة، مظهرين حبّهم لهذا اللون من الفن التشكيلي وفضّلوه على القديم الذي لطالما عُرف به قديح.



وفيما تمنّى أن تعود للفن مكانته في لبنان وبيروت التي عُرفت بكونها عاصمة الثقافة والجمال والفنون في المنطقة العربية، أكد الفنان أن الفن يواجه إشكالية كبيرة وخطيرة على المستوى العالمي، مع ثورة التكنولوجيا والتطبيقات وبرامج الذكاء الاصطناعي التي طمرت جمالية الإبداع الفني واللمسة البشرية والهوية الفنية لكل شخص ولوحة.

وقال: "أنا خارج السباق التكنولوجي والعالم الرقمي وثورة الـNFT، أنا فنان يحب العمل اليدوي وضربة الريشة ورائحة الألوان وتوضيع اللون ورسم المساحة"، مضيفاً: "ما ينجزه الذكاء الاصطناعي لا يدوم ولا يحمل أي قيمة، فهذه مجرد برامج تخزّن آلاف الأعمال لفنانين مختلفين وتدمجها في تركيبات فنية لا طعم لها. لم ولن أكون من مؤيدي ورواد هذا الفن، ولكن هذا لا يمحو حقيقة أن هذا النوع الذكي للأسف سيسبقنا جميعاً بأشواط، لكن أشك في أنه سيستطيع التعبير عن الإنسانية كما فعل الفن القديم عبر التاريخ".



وبالنسبة لقديح، لم يعد هناك قيمة لرسوم البورتريه والمناظر الطبيعية، فأجهزة التكنولوجيا وكاميرات العصر والهواتف الذكية تعطينا ما هو أدق وأجمل وأفضل منها بملايين المرات، لذلك وليمتاز الفنان عن هذه الآلات يجب أن يقوده فكره فيتميز وينجح.

وأخبرنا عن علاقته بطلابه التي توصف بالوثيقة والمميزة حيث يكرر على مسمعهم كلاماً واحداً كلما دخل قاعة الصف وهو: "الفن لم يعد حرفة، هو مزيج بين الموهبة والثقافة. فتثقفوا وغوصوا واحصوا معلومات وتفاصيل الفن التشكيلي فتفتحوا بها أبواب النجاح". فهو يؤمن أن الفن التشكيلي مزيج من علوم الألوان والفلسفة كما وعلمَي النفس والاجتماع.



وإذ تشارك معنا تفاصيل المعرض المقبل الذي يحضّر له والذي سيحمل عنوان "منمنمات معاصرة"، ختم قديح بدعوة كل شخص من أي فئة عمرية وأي توجّه كان إلى زيارة معرضه وتقييم لوحاته والاستمتاع بها، وقال: "أنا هنا بانتظاركم لأسمع رأيكم برسوماتي بكل صراحة وحرية وأناقشها معكم. معرضي ولوحاتي لكم لتغذّي العين بجمالية الفن وقيمته التعبيرية. رسالتي وأمنيتي من هذا المعرض ومن كل معرض أن يعمّ الجمال والخير والسلام في لبنان والعالم، فالجمال يعادل الخير، ولا يتفق مع الشر إطلاقاً".