يهدف الهجوم الأوكراني المضاد المنتظر إلى إستعادة الأراضي الأوكرانية المحتلّة من الجيش الروسي، وضمناً شبه جزيرة القرم المحتلّة منذ 2014، لكن التحليل العسكري وتقدير الموقف التكتي وميزان القوى يبيّن أن الجيش الأوكراني لم يحصل على عتاد جديد يستخدمه في الهجوم، بل إن الغرب قد زاد عدد الأسلحة والذخائر، من دون تقديم أسلحة نوعية يمكنها قلب ميزان القوى لصالح الجيش الأوكراني. لذلك يبقى التعويل على كيفية تطبيق صانع القرار العسكري، مبادئ الحرب، خصوصاً المفاجأة والهجوم (المناورة) لتحقيق الميزة العسكرية.
أعلن الأوكرانيون مرّات عدّة استعداداتهم لشنّ الهجوم المضاد لإستعادة الأراضي الأوكرانية المحتلّة من قبل الجيش الروسي، وربطوا توقيت هذا الهجوم بتحسّن الأحوال الجوية مع بداية الربيع، فأعطوا بذلك الجيش الروسي الوقت الكافي (أكثر من ثلاثة أشهر حتى اليوم) لتجهيز قدراته الدفاعية وبناء التحصينات، خصوصاً في منطقة زابوريجيا المحتلّة جنوبي أوكرانيا، حيث توجد أكبر محطة للطاقة النووية في أوروبا، وعند مدخل شبه جزيرة القرم ذات الأهمية الإستراتيجية للجيشَين الروسي والأوكراني على حد سواء، فهو الممرّ البري الممتد من روسيا إلى شبه جزيرة القرم المحتل.
مبدأ المفاجأة في الحرب، هو العمل على ضرب العدو في زمان أو مكان أو بأسلوب لا ينتظره، وليس من الضروري مفاجأة العدو تماماً، لكن من الضروري العمل على تأخير إدراكه لما يجري فتأتي ردّة فعله غير فعّالة، ويُمكن أن تكون المفاجأة في النمط والزخم، حجم القوة، التوقيتات، اتجاه ومكان الجهد الرئيسي. لذلك انحسر مبدأ المفاجأة في الهجوم الأوكراني المضاد المنتظر، إلى حدود النمط المتّبع في شنّ الهجوم والزخم، ومكان الهجوم وإتجاهه.
بالنسبة لحجم القوّة، أتى إعلان الحلفاء الغربيين لأوكرانيا أخيراً أن أكثر من 98 في المئة من المركبات القتالية الموعودة تمّ تسليمها للجيش الأوكراني، فتتالت تصريحات الدول الواهبة عند تسليم الأسلحة والذخائر، كاشفةً كمية وقدرة الأسلحة المقدّمة، وأصبح واضحاً جدول التجهيزات الهجومية للجيش الأوكراني مقابل شبه غموض عن الأسلحة الجديدة التي يمكن أن يستخدمها الجيش الروسي في مواجهة الهجوم الأوكراني.
لكن الجيش الأوكراني كان قد طالب بزيادة التقديمات كمّاً ونوعيةً، فكان هناك تشديد على تزويد الجيش الأوكراني بمقاتلات «أف-16» الأميركية، لكن لم تحصل عليها بسبب الفترة الطويلة التي يحتاجها الطيارون الأوكرانيون للتدريب، وهذه الطائرة لو حصل عليها الجيش الأوكراني ستؤدّي إلى تفوّق جوي مقارنةً مع القدرة الجوية والدفاع الجوّي للجيش الروسي.
وفي المقابل، تسلّم الجيش الأوكراني 13 طائرة مقاتلة حربية من سلوفاكيا من طراز «ميغ-29» وغيرها من بولندا، وهي سوفياتية الصنع من ثمانينات القرن الماضي، وبالرغم من زيادة عدد طائرات الأسطول الجوي الأوكراني من طراز «ميغ-29»، لم يحقق التفوّق الجوي على الجيش الروسي، فالجيش الأوكراني بحسب الخبراء العسكريين، بحاجة إلى 120 طائرة مقاتلة حربية وهو يملك الآن أقلّ من 70، أمّا بالنسبة للـ»ميغ-29»، فهي قديمة الصنع، لا يمكنها التشويش الإلكتروني، وللجيش الروسي أنظمة دفاع جوّي مضادة لها.
أمّا بالنسبة إلى الدبابات، فقد زادت الدول الغربية من عددها، منها «تشالنجر 2» و»أبرامز» و»ليوبارد» وغيرها، وقاذفات الصواريخ مثل «هيمارس» ومضاداة الطائرات متل «باتريوت»، والمدفعية الثقيلة مثل «هاوتزر أم 777» وغيرها الكثير من الآليات المدرّعة والذخائر المقدمة والطائرات المسيّرة.
هذا الهجوم المضاد الموعود، الذي يبدو واعداً من الناحية الإعلامية، ليس كذلك من الناحية العسكرية، فالجيش الروسي مستعدّ على كافة الجبهة من الشمال إلى الجنوب، وقد أنشأ التحصينات القوية لمواجهة الهجوم البرّي الذي يبدو أكثر إحتمالاً من الجهة الجنوبية أي منطقة خيرسون وزابوريجيا. أمّا بالنسبة إلى الجيش الأوكراني، فإنّ جميع الأسلحة التي ستستخدم في الهجوم قد استخدمها في المواجهات السابقة، لكن مع فارق الأعداد التي يمكن للجيش الروسي صدّها من خلال التخطيط ودقّة الإستعلام التكتي.
لذلك يبدو أن الغرب من خلال نوعية الأسلحة المقدّمة لأوكرانيا، يريد حرب استنزاف للجيش الروسي، لتكون حرباً طويلة أي خسائر بشرية ومادية ومعنوية كبيرة، فهذه النية واضحة في مواجهات باخموت، حيث المعارك الضارية ما زالت جارية منذ 9 شهور، ومجموعة «فاغنر» الروسية الشبه عسكرية تتكبّد خسائر بشرية كبيرة مقابل الجيش الأوكراني، ما أدّى إلى خلافات بين «فاغنر» والجيش الروسي حول ضعف الإمدادات اللوجستية.
يبقى الإعتماد في هذا الهجوم المضاد على مكان الهجوم والتكتيكات المستخدمة ومرونة صانع القرار العسكري في مواجهة التغيّرات في الميدان، وكيفية دمج كافة القدرات القتالية، خصوصاً أن ميزان القوى بين الجيشَين شبه متعادل، مع تفوّق جوّي للجيش الروسي.