بعدما كتب اسمه على "الشمس الما بتغيب" مترجماً عشقه لبلده بالأناشيد، أثرى المبدع إيلي شويري الساحة الفنية على مدى ستة عقود بباقة من الأغاني الوطنية والأعمال المسرحية أدخل من خلالها الأغنية اللبنانية بكلماتها وألحانها إلى البلاد العربية والعالم. وبعد رحيله أمس الأول عن 84 عاماً، ترك "أبو الأناشيد الوطنية" إرثاً فنياً مميزاً وبصمة إستثنائية سترافق كل من عرفه يوماً أو عمل معه.
انطلق ايلي الشويري في الكويت، وتحديداً في اروقة الإذاعة الكويتية العام 1960 حين جمعته الصدفة بالملحن عوض الدوخي الذي راح يشجعه على تعلم العزف على العود مع زميل له يدعى مرسي الحريري، وهو ملحن مصري كفيف. وفي 1966، تزوج من عايدة ابي عاد ورزق منها ثلاث بنات: نيكول وكارول وسيلينا.
عاصر أبرز نجوم العصر الذهبي في عالم الفن أمثال محمد عبد الوهاب وأم كلثوم ورياض السنباطي وعبد الحليم حافظ وكارم محمود ومحمد عبد المطلب وفايزة احمد، وشارك مع الأخوين رحباني في أكثر من 25 عملاً، إذ أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بيّاع الخواتم» عام 1964 وفي الفيلم السينمائي الذي أخرجه يوسف شاهين في العام التالي.
على أدراج «مهرجانات بعلبك الدولية»، خاض أجمل التجارب الفنية فغرف من نبع الفن ورافق زمن النبلاء مع عباقرته، فشارك في «دواليب الهوا» مع الشحرورة صباح ومسرحيات فيروز منها «أيام فخر الدين» و»هالة والملك» و»الشخص» و»ناطورة المفاتيح» و»صح النوم» وصولاً إلى «ميس الريم».
كما شارك في مسرحية "صخرة طانيوس" للمخرج الراحل جيرار افيديسيان، و"طريق الجلجلة" للمايسترو عبدو منذر.
وفي 1975، قدم بالتعاون مع الصحافي الراحل سامي غميقة برنامج «يا الله»، وهو انتقادي اجتماعي لاقى نجاحاً لافتاً. ثم التقى صباح في مسرحية «ست الكل» وكانت فاتحة خير جديدة لمسيرته الفنية، فكتب ولحن «تعلا وتتعمر يا دار» التي نالت شهرة واسعة.
في رصيده، اعمال غنائية زاخرة نفذها لعمالقة الزمن الجميل، فكتب أهم أغاني وديع الصافي مثل «زرعنا تلالك يا بلادي» و»بلدي» و»أنت وأنا يا ليل» و»من يوم من يومين» و»يا بحر يا دوار»، فيما تنافست كل من صباح وسميرة توفيق على أداء أغنية «إيّام اللولو» التي أثارت حينها نزاعاً وتنافساً إلى أن صدرت بأصوات ثلاثة فنانين.
وغنّت ماجدة الرومي من ألحانه «سقط القناع» و»مين النا غيرك» و»ما زال العمر حرامي»، أمّا أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها العام 1973 فغناها أول مرة المطرب جوزيف عازار، ومن ثم ترددت على لسان الكثير من الفنانين العرب منهم الممثل السوري دريد لحام.
أيضاً من أعمال الراحل الكبير غنّت الفنانة نجوى كرم "على زحلة يللا وصّلني"، "ما بينطال البرج العالي"، "اسرج بالليل حصانك" و"نجمة الصبح".
وكان قد منحه الرئيس السابق، ميشال عون، وسام الأرز الوطني من رتبة كومندور في 2017 تقديراً لعطاءاته الفنية والاجتماعية والوطنية.

قـــــالـــــوا فـــــيـــــه
فور انتشار خبر وفاته، لم يتأخر زملاؤه وأصدقاؤه ومحبوه، عن نعيه عبر «نداء الوطن»، مسترجعين أجمل اللحظات التي جمعتهم به.
الفنان جوزيف عازار
فقدنا قامة فنية كبيرة وركناً أساسياً من اركان النهضة الفنية في لبنان والعالم العربي. هو مطرب ومؤلف وشاعر وملحّن ومبدع من كل النواحي، تمكن من تصوير واقعنا وإحساسنا ونقل أجواء الضيعة اللبنانية بتفاصيلها.
بصماته واضحة المعالم في أغانٍ أديتها على مسارح عالمية وعربية، منها «بكتب اسمك يا بلادي» التي قدمناها سوياً الى الجيش اللبناني عشية عيد الإستقلال في 1974، من ثم ترجمت الى اللغة البرتغالية في البرازيل وقدّمناها على مسارح اميركا اللاتينية مع فرقة «بيت الدين» للرقص الشعبي، من ثم مع عبد الحليم كركلا في الخليج العربي والجزائر وسوريا. احتلت الأغنية القلوب وقام بتأديتها الممثل دريد لحّام من دون موسيقى في ختام مسرحيته الذائعة الصيت «كاسك يا وطن». غنّيت للراحل أيضاً أغاني عدة على مسرح بعلبك منها «صفّوا البيارق شكشكي» و»لمّا ايديكن لوّحو».
لا يمكننا اختصار إيلي شويري بكلمات معدودة، «الله يرحم ترابو» والتعازي الحارة لعائلته وزملائه الفنانين وللوطن.
المايسترو عبدو منذر
أعمال كثيرة جمعتني مع الصديق ورفيق الدرب إيلي شويري منها مسرحية «صخرة طانيوس» للراحل جيرار أفيدسيان، التي نفذت بالكامل في الستوديو الذي أملكه فتشاركنا الألحان حينها وقدّمنا عملاً مميزاً فعلاً وأيضاً مسرحية «طريق الجلجلة» من تأليفي وإخراجي حيث أدّى فيها دور الراوي. رحلات عدة جمعتنا مع الفنانة ماجدة الرومي فكنت أشاركه الألحان تارةً وأقوم بتوزيعها طوراً ومنها أغنية «كلّ يغنّي على ليلاه»...
تأثرت كثيراً فور سماعي الخبر. بتنا نفقد كبارنا واحداً تلوى الآخر، صحيح أنهم رحلوا عنّا بالجسد ولكن إرثهم الفنّي باقٍ للأجيال المقبلة، وانا انصح الفنانين بمحو الضغينة وزرع المحبة والإقتداء بالراحل الذي أعطى للبنان الكثير.
صديقي إيلي «أنا مقصّر بواجباتي معك كان لازم طل عليك آخر ستة أشهر، الله يرحمك واللى اللقاء».
الممثل جهاد الأطرش
لبنان وطني حبيبي أساساتك ودعائمك عميقة الجذور في التراب والصخر والتاريخ، بعض سيّداتك حققن المستحيل وكذلك بعض رجالك، أنت غني بالكبار، العلماء والأدباء والإعلاميين والفنانين وميزتهم أنهم كلّهم مبدعون. ولكن وكأن القدر يصب غضبه علينا، إنهيارات اقتصادية وتربوية واجتماعية أدبية وفنية وابداعية. خسارة المال تعوّض ولكن خسارة الكبار لا تعوّض. بالأمس فقد لبنان مسرحياً كبيراً منفتحاً على الثقافات والفنون العالمية والذي قدّم لنا أعمالاً مبهرة حقاً إنه سامي خياط. وأيضاً المسرحي الكبير جيرار أفيدسيان والصحافي حسين حركي، واليوم غاب عن الساحة العملاق إيلي شويري. التقيت وشويري في مجلس نقابة وممثلي المسرح والإذاعة والسينما والتلفزيون في سبعينات القرن الماضي، كان صاحب رؤية ومشروع لصالح الفنان بالإضافة الى امتلاكه صوتاً جباراً واحساساً مرهفاً غنّى فيه لبنان الذي أحبه وخاف عليه.
فقدت الساحة الفنية الكثير برحيل ايلي شويري وهذه خسارة لا تعوّض، أصوات وفنانون مبدعون غابوا عن الوطن وخسر لبنان جزءاً كبيراً من ابداعه.
نقيب الممثلين المحترفين نعمة بدوي
حزين جداً هذا اليوم الذي غادرنا فيه الفنان المتميز وصاحب البصمة الخاصة، الشاعر والملحن والممثل الكبير ايلي شويري. ابتديت معه مشواري الفني مع السيدة صباح من ثم التقينا في مهرجانات عدة. إيلي شويري، الفنان الذي كتب اسمه على «الشمس الما بتغيب» وغنّى الوطن والوجدان غادرنا ورحل ولكنه باقٍ في قلوبنا وضمائرنا.
الفنانة نجوى كرم
لا يمكن لأحد الّا أن يحني القبعة أمام الإرث الفني الذي تركه أستاذ الأساتذة إيلي شويري الذي جعل من لبنان قضيته حاملاً اياه في وجدانه وغنّاه بصوته. كانت أغنياته كالنشيد الوطني ورسالة تحمل كلمة الوطن. التعازي الحارّة لأهله وللوطن، «يا لبنان مع كل هالعمالقة يلي عم بيروحوا عم تكون خسارتك كبيرة لأنو صورة الفن كانت مراية تمرّى فيا العالم كلّو بوجود العمالقة». اوجه ندائي لكل الفنانين طالبةً أن نقتدي بهؤلاء لئلاّ تنكسر هذه المرآة وتؤدي الى تشوّه وتشتت صورة الوطن.
«الله يرحمك استاذ ايلي شويري» وكما حملت وطنك في قلبك وعقلك في هذه الدنيا الفانية أطلب منك الصلاة من السماء ليقوم لبنان كما المسيح في اليوم الثالث ويعود منارة للعالم اجمع.
الفنانة باسكال صقر
عملت مع الكبير إيلي شويري في أغنية «كرمالي خلّيك» من ألحانه وكلمات الشاعر طلال حيدر، وكانت تربطنا صداقة قوية. كان محباً، متواضعاً وغير متسلّط والتعامل معه سلساً، اذ يعطي مساحة للفنان ليضفي إحساسه على الأغنية. شهادتي مجروحة بإنسان عظيم أعطى الحاناً خالدة منذ بدايته مع الرحابنة حتى اليوم. نحن نخسر كبارنا وكم يلزمنا من السنين لتعويضهم بجيل جديد يملك القيم نفسها.
الفنان نقولا الأسطا
رافقني شويري منذ بداياتي، اذ كنت أؤدي كل ألحانه وأغنياته، وكنت مولعاً بـ»يا ناس حبوا الناس الله موصّي بالحب» ولطالما أديتها في الجلسات. إجتمعنا مراراً وكنت أهمّ بالتعاون معه في أغنية تحاكي «تعلى وتتعمّر يا دار» ولكنها لم تبصر النور. انه قامة جبّارة لم يتنازل عن عرشه يوماً وبقي جامداً بمواقفه وكانت كلمته كالسيف.
التينور والباحث الموسيقي غبريال عبد النور
خسرنا واحداً من أعمدة الفن اللبناني الأصيل، إيلي شويري هوية لبنانية متجذّرة في مشرقيّة هذه الأرض، هوية دافئة وطربيّة إطارها الحب والحماس والعنفوان. كان لي الحظ أن يكون شويري الشاعر والملحن والمغني أستاذاً لي في الغناء الشرقي وملحّن ألبومي الأول «جبران خليل جبران»، بيده أخذني من الغناء الأوبرالي العالمي إلى الغناء الشرقي وردّني إلى جذوري الشرقية واللبنانية.
هو حالة خاصة بروحانيتها وعلامة مضيئة في تاريخ الأغنية اللبنانية. عُرف بنغماتها المشبّعة بالطرب والتي تدخل القلوب بلا استئذان... الأغنية اللبنانية كانت ستغدو ناقصة لولا وجود إيلي شويري.
سيبقى بالنسبة لي الأستاذ الاستثنائي والأب الطيب والحنون، والذي ستخلّده من دون شك المكتبة الموسيقية العربية.
الشاعرة والملحنة مارينا جحا
هزّنا رحيل الفنان الكبير المبدع الأستاذ إيلي شويري كما هزّ العالم العربي والمهجر. الراحل الباقي في قلوبنا هو أرزة خالدة وصخرة مجد لا يكرّرها الزمن.
مهما تحدثت عن هذا العملاق وتاريخ فنه العريق، تبقى شهادتي به مجروحة، حيث كانت تربطنا به صداقة عائلية، وربطته بوالدي الدكتور الشاعر ميشال جحا وزوجي المايسترو جورج مرعب أعمال فنية كثيرة.
كان شويري فناناً يتسم بالتواضع والمحبة والإيمان وروح الإنسانية والعطاء، وكان رمزاً للوفاء. ولطالما كان يلجأ لمريم العذراء لذلك كتب ورنّم لها الكثير، منها «يا عدرا غطّينا بشالك»، «جينا تنصلّيلِك»، و»عم تومي بإيدَيكي» وغيرها.
أحرّ التعازي لعائلته الكريمة التي ترك لها تاريخ مجدٍ بفنه الخالد. المسيح قام حقاً قام.
راقصة الباليه العالمية جورجيت جبارة
أمثال إيلي شويري لا يُرثَون إلا بالفن والموسيقى والكلمات الطيبة الرنانة والشعر. جمعتني به معرفة احترام وتقدير متبادل، واليوم نحن نخسر شخصية مهمة جداً وكأن لبنان خسر برحيله قطعة من قلبه أو عضواً من جسمه.
ليست طبيعة لبنان وجباله وبحاره ما يشكّل هوية وطننا الكاملة، بل كبار ولدوا فيه كإيلي شويري والرحابنة وأمثالهم. وعندما نفقد جزءاً من هذه الهوية، صفحات تُقفل وتضيع. الله يرحمه لكنه لم يمُت بنظري فقد ترك للبنان كنوزاً لا تُحصى.
مدير "الإذاعة اللبنانية" السابق محمد ابراهيم
القيم الفنية والثقافية هي ركيزة من ركائز حضارات الأمم وتقدّمها، ونحن في السنوات الأخيرة نشهد فقدان قيم مهمة شكّلت هوية اللحن اللبناني كأمثال إيلي شويري. للأسف نفقد عظماء من مؤسسي الأغنية اللبنانية التي بدأت بـ»الميجانا» و»أبو الزلف» لتصبح اليوم النوع الأحب إلى أذن المستمع العربي. ألله يرحمك إيلي شويري.




