رفيق خوري

أبعد من القراءات في "إتفاق بكين"

3 دقائق للقراءة

ليس خارج المألوف أن تتعدد القراءات في الإتفاق السعودي-الإيراني. ولا خارج الواقع أن تبدو المنطقة كلها معنية بإتفاق ثنائي بين قوتين إقليميتين بضمان قوة دولية كبرى. فمن يأمل في أن يعزز الإتفاق رهاناته يقابله الخائف من أن يدفع الثمن. وكل طرف يقرأ ما يريد أن يراه في السطور وما يتخيله بين السطور في إتفاق لا يزال المعلن منه تحت التجربة وغير المعلن قيد التكهنات. لكن القراءات في لبنان أكثر من أي بلد تتميز بالجمع بين المبالغة في تكبير المفاعيل والمبالغة في تقليل الإنعكاسات والواقعية في تقدير ما يمكن أن يحدث.

وهذا من طبائع الأمور في بلد منقسم بين من يراهن على طهران والشرق، ومن يراهن على الرياض والعرب والغرب، ومن يطمح الى إستعادة الدور الذي خسرته بيروت. لا بل بلد منهار، شعبه منهوب بلا دولة ولا سلطة سوى عصابة، يعلن "محور الممانعة" فيه أن الهدف هو إزالة إسرائيل وطرد أميركا من المنطقة لكنه ينتظر في الوقت نفسه كلمة من السعودية لإكمال هيمنته على ما بقي من الجمهورية والرئاسة. وفي المقابل قوى تقاوم الهيمنة وتتخذ مواقف ممانعة للممانعة، لكنها لم تستطع تشكيل محور.

بين المبالغات في تكبير "إتفاق بكين" تصويره بأنه بداية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وحتى لإقامة نظام إقليمي جديد برعاية صينية. وهذا ضد قوة الأشياء. فالنظام الإقليمي الجديد يحتاج الى أكثر من تفاهم قوتين إقليميتين وقوة دولية في منطقة تتعدد قواها الإقليمية وتلعب على مسرحها أميركا وروسيا وأوروبا واليوم الصين. فضلاً عن الحاجة الى مناخ دولي مختلف عن المناخ الحالي. فالصراع على أوكرانيا يهدد بحرب عالمية ثالثة ومواجهة نووية. ونظام الأحادية القطبية الأميركية على قمة العالم إنتهى الى تعدد الأقطاب من دون التوصل الى نظام عالمي جديد.

وبين المبالغات في تقليل الإنعكاسات تصوره الإتفاق مجرد تفاهم على التهدئة في المنطقة، وتبادل فتح السفارات السعودية في طهران والإيرانية في الرياض، والبحث عن تسوية توقف حرب اليمن وتريح أطرافها الداخلية والخارجية. وهذه قراءة في حسابات الماضي، لا في حسابات المستقبل وضغوط الحاجة الى التنمية والإستقرار أقله على مدى سنوات محددة.

أما الواقعية في تقدير ما يمكن أن يحدث، فإنها تبدأ من التسليم بالمنطق الطبيعي: لا إتفاق بين دولتين لحساب دولة واحدة وعلى حساب دول أخرى. ولا احد يدفع قوتين إقليميتين الى إتفاق إن لم تتطلبه مصالحهما المشتركة. ولا بد من تقدير المصالح الحيوية لكل من الرياض وطهران في المنطقة وهي تختلف بين بلد وآخر نسبة لمدى الإهتمامات. وإذا كانت فرنسا قد تخلت عن دورها التقليدي في لبنان، فإن السؤال هو عن مدى إهتمامات كل من السعودية وإيران وأميركا في البلد. والجواب يتجاوز كون طهران هي الأكثر إهتماماً والتي لديها فريق مسلح ترى لبنان من خلاله مجرد ديكور للمقاومة الإسلامية الى كون لبنان بتركيبته وهويته العربية عصياً على إكتمال المشروع الإيراني فيه، ولو بقيت السعودية وأميركا خارج المواجهة، فلا وارث للنظام الذي دخل مرحلة الشيخوخة. والوقت حان لأن يتعلم من وصلت إليه القوة من التجارب الكارثية على أيدي الذين غرّتهم القوة في الماضي.

وأبسط ما ينطبق علينا هو قول الفيلسوف أشعيا برلين: "الحاجة فهم أكثر من المعرفة".