شربل داغر

بين العربية الثقافية والعربية السياسية

دقيقتان للقراءة

لا أجد حرجاً في تضمين عناوين عدد من كتبي لفظ "العربي"، للحديث عن: الشعر العربي الحديث، أو عن الفن العربي الحديث...

إلا أنني أتجنب تسمية الشعوب المعنية بـ: العربية، لا سيما عند الكلام عن أصولها الاتنية.

ولو عدتُ إلى ما قبل النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لما وجدتُ هذه الصفة محددةً للأقوام المتوطنة من المحيط إلى الخليج.

ولو عدتُ إلى كتاب: "مستقبل الثقافة في مصر" لطه حسين (1935)، لوجدتُه يربط مستقبلها بالثقافة الإغريقية والأوروبية.

هذا ما يتحقق منه، اليوم، علماء في عمليات الفحص الجيني المتدافعة منذ ثلاثة عقود...

هذا ما للدارس أن يتحقق منه بمجرد العودة إلى التاريخ الإسلامي منذ دوراته الأولى:

كيف يعقل أن آلافاً من "الفاتحين" عرّبوا بلاداً وأقواماً بكاملها، سواء في المشرق أو في المغرب!

ألم يتم هذا على حساب أقوام وأقوام، وعلى طمس وجودهم المتقادم، من دون أن "يتعرّبوا" بالضرورة؟

بلى، هذا ما جرى. وهذا ما جرى في أمبراطوريات اخرى، هنا وهناك في العالم.

ما أريد أن أشدد عليه هو أن "العربية" لم تكن صفة جامعة إلا في اللغة، والثقافة الغالبة.

أما كون "العربية" صفة قومية، فهذا ما لم يَظهر في هذا التاريخ الممتد قبل نهايات القرن التاسع عشر. بل أكثر من ذلك: ظهرت "العربية" في تجلياتها المستجدة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بوصفها كياناً لغوياً وادبياً وثقافياً ليس أكثر.

لهذا يتوجب التعامل بحذر مع ما أفرزته الحقبة "القومية"، التي ما لبثتْ أن تراجعتْ بدورها لصالح الهوية الإسلامية.

هذا مدعاة للتعامل بالتالي بروية مع هذه المحددات، والإقرار بالغنى والتعدد في هذه البلاد من دون نزعة غلبة لم تعد تناسب مفاهيم ومبادئ التمثيل والبناء السياسيين.

كان الشيخ عبد الله العلايلي يتحدث عن "عالم العربية"، وهي تسمية مناسبة لكون اللغة، ولكون الثقافة المرتبطة بها، باتت هي الأقوى في سياسات التوحيد، وأكثر مما توفره أنظمة الاعتقاد السياسية وطُرق الحكم.

فأدب جبران خليل جبران وطه حسين ونزار قباني وبدر شاكر السياب وغيرهم الكثير هو الذي جعل العربية متناً، وذائقة، وتطلعاً، فيما نهشت "العربية السياسية"، وسياساتُها العسكرية، وجدبُها الفكري، جسدَ الجماهير التي ادعت النطق باسمها، وبتوحيدها !