جاد حداد

Love Is Blind... معالجة سطحية لقصة غريبة!

5 دقائق للقراءة

كان يفترض أن يحمل فيلم Love Is Blind (الحب أعمى) للمخرجَين أندي ديلاني ومونتي وايتبلوم اسم "الحب عشوائي"! لا وجود لأي سبب منطقي وراء ظهور الحب أو اختفائه في العلاقات. بناءً على هذا المبدأ، تتقلّب دوافع الشخصيات في هذا الفيلم عشوائياً، بحسب مقتضيات السيناريو. ترتكز هذه القصة الدرامية على خليط متسرّع من النزوات الرومانسية والأحداث الغريبة، وتتمحور حول شابة مصابة بإدراك انتقائي للعين، فتجد صعوبة في التعرّف على الأشخاص المكسورين في محيطها. يبرز رابط مباشر بين قدرتها على رؤية ما تريده حصراً والمنطق الانتقائي الكامن وراء الفيلم على مستوى الابتكار ومظاهر الألم المفرطة.

تعيش "إليزابيث كرافت" (شانون تاربيت)، المعروفة وسط أصدقائها باسم "بيس"، في بلدة صغيرة وهادئة في شمال ولاية نيويورك مع والدها المريض "موراي" (ماثيو بروديريك) وطاووس ألبينو اسمه "أرغوس". هي تعاني من اضطراب نادر يعيق قدرتها على رؤية الناس الموجودين من حولها. أدى هذا النوع المتفاوت من فقدان البصر لديها إلى تصدّع علاقتها مع والدتها الحنونة "كارولين" (كلوي سيفيني). قبل عشر سنوات، تعرّضت "بيس" لصدمة غامضة جعلتها تظن أن "كارولين" ماتت مع أنها لا تزال على قيد الحياة. يصبح "موراي" عالقاً وسط علاقتهما المتصدعة ويزداد الوضع صعوبة حين يوشك على الخضوع لعملية تهدد حياته من دون التوصّل إلى حل سلمي بينهما.

كانت "بيس" تعمل على معالجة وضعها بالتعاون مع مساعد بحثي متخصص بعلاج التوحد النفسي "فارمر سميثسون" (بنجامين واكر). لمعالجة عقلها المضطرب، ترتكز تقنياته الغامرة على روتين دقيق ومكثف: استعمال طرق غير تقليدية مثل محاكاة عملية ولادة جديدة عبر التمدد فوق جسمها وهو في وضعية الجنين فيما تحاول التحرر من وزنه وقوته. هي تقع في حبه أيضاً (مثلما يقع المرضى في الأفلام في حب معالجيهم أحياناً)، لكنه يتردد في مبادلتها مشاعرها بسبب مهنته.

سرعان ما تتغير جلساتهما النفسية حين يصل عامل البناء الجامح "راسل هانك" (أيدن تيرنر) إلى البلدة. يحمل هذا الرجل ميولاً انتحارية وأفكاراً عميقة واستفزازية قد تثير دهشة المشاهدين. هو يؤثر على الأعمال الحاصلة في محيطه لكنه يخوض فعلياً رحلة شخصية لتدمير الذات، فيتحدى القدر عبر متابعة القيادة حين تكون إشارات السير حمراء ويخنق نفسه بسلك الهاتف. تُستعمَل أفكار التخبط الداخلي في البداية على شكل استعارة، لكن سرعان ما تتخذ أشكالاً ملموسة مثل الصراخ والتربيت على الظهر، بما يتجاوز المعنى الرمزي لتلك الأفكار.

لا يستطيع "فارمر" أن يقاوم رغبته في معالجة هذا الشخص الغريب. لكن لا يقتنع "راسل" بقدرته على التغيّر قبل أن يشاهد الجميلة "بيس" وهي تدخل إلى عيادة المعالج النفسي. يظن "فارمر" أن هاتين الروحَين المكسورتَين تستطيعان مداواة بعضهما البعض، فيوصيهما بتمضية الوقت معاً. لكن تبرز مشكلة أساسية: تنطبق حالة "بيس" على "راسل" أيضاً، ما يعني أن أحاديثهما ستكون أحادية الجانب، وهذا ما يدفع "راسل" لاحقاً إلى تبنّي سلوكيات مريبة ومضطربة وشبيهة بما يفعله المتربّصون. هذا هو رأي الجمهور الذي يشاهد مسار تطور الأحداث على الأقل. لكن يبدو أن المخرجَين يعتبران هذا الجانب من القصة رومانسياً.

سنلاحظ أن الرجال في حياة "بيس" هم الذين يوجّهون قراراتها، ما يتعارض بكل وضوح مع الفكرة القائلة إنها في موقع قوة باعتبارها بطلة القصة، كما يقول ديلاني ووايتبلوم وكاتبة السيناريو جينيفر شور. في جميع المواقف، تتأثر دوافع "بيس" بتعليمات الشخصيات الذكورية، بدءاً من والدها وطبيبها وصولاً إلى سكان البلدة. خارج ملاذها الآمن في بيت الشجرة الشبيه بعش العصافير في الفناء الخلفي لمنزلها، حيث تسترجع ذكريات مؤثرة مع والدتها، نادراً ما تتخذ قراراتها بنفسها. في أحد المشاهد، تحلم بأنها ترقص بثوب أحمر اللون وتشعر بالحرية وتطلق العنان لنفسها لأقصى حد. لكننا نعرف بعد لحظات أنه حلم مشترك. حتى فترات النوم لا تخصّها وحدها إذاً! على صعيد آخر، يسمح السيناريو الشائب لـ"راسل" بالتعبير عن المشاعر التي تنتابه بفضل "بيس"، بدل أن يعطي "بيس" فرصة التعبير عن مشكلتها الشخصية المُلحّة.

لكن حين يتخبّط الخط السردي وتطور الشخصيات، تنجح تقنيات التصوير في إعطاء بُعد جمالي مميز للمشاهد من وقتٍ لآخر. تكون الروابط بين الشخصيات سطحية وسخيفة حيناً وسلسة أحياناً. يتّضح ذلك حين يحطّم "راسل" الجدران بمطرقة ثقيلة فيما يروي اكتشافاً مهماً عن الوضع الإنساني. سرعان ما يصبح مشروع "بيس" أشبه برسوم متحركة، فنشاهد طائراً ورقياً يحلّق في الفضاء، في إشارةٍ إلى الحرية التي تتوق إليها. تبرز عناصر خيالية إضافية في مشهد بالحركة البطيئة حيث يرفع "راسل" جسمها فوق سريرها. يميل المخرجان إلى إظهار الشخصيات في أجزاء غير مألوفة من إطار التصوير، ما يعكس رؤية الشخصيات الشائبة للعالم. تنقلب حياة "راسل" رأساً على عقب خلال أول محاولة انتحار له وتتخذ الكاميرا زاوية عمودية في هذا المشهد لتجسيد هذه الفكرة.

ربما تتعلق أكبر مشكلة في هذه القصة بإصرار المخرجَين على سهولة أن يبدي الجمهور اهتمامه بهذه الشخصيات. لكننا لن نلتفت إليها بسهولة ولا مبرر أصلاً للاهتمام بها. كان الشعار الترويجي محقاً حين قال: "لكل منا نقاط عمياء". لكن كان من الأفضل أن يحتفظ الفيلم بتلك النقاط لنفسه!