لبنان في مأزق على سطح أزمته العميقة. والمشكلة أنّ المأزق مصطنع بالقوة، والأزمة من صنع التركيبة السياسية النافذة العاجزة عن حلّ الأزمة التي صارت أكبر منها. وهي مرتبكة وحائرة بين الخوف من الانهيار الكبير والخوف على مصالحها من أي حلّ يهدّد المحاصصة والصفقات والسطو على المال العام ويفتح ملف المحاسبة. فلا الاستدانة بلا حساب من الداخل والخارج باتت ممكنة لتغطية العجز والسياسات السيئة والهدر والعيش على الأزمة وإجبار الناس على التعايش معها ودفع الثمن. ولا تعليق سداد الدين العام من دون أن تسبقه خطة إنقاذيه وتفاهمات وفرصة للحصول على موارد سوى مراوحة في الأزمة وتسليم اكراهي بإفلاس غير معلن.
ولولا هذا الوضع الخطر والخطير لما كنا في حاجة الى صندوق النقد الدولي والجدل حول الوصفات التي يقدّمها مع الدولارات. ومن هنا مأزق الخلاف على عبور أو لا عبور باب الصندوق الذي يقول لنا الغرب والعرب إنه "الممر الإجباري" الى المساعدات والاستثمارات. لكنه خلاف نظري ما دام الفريق الرافض للعبور قادراً على فرض موقفه بقيادة الثنائي الشيعي. فضلاً عن أنّ منطق الاعتراض على صندوق النقد والبنك الدوليين قديم من أيام الحرب الباردة. وهو قائم على ثلاثة اعتبارات. أولها أيديولوجي وسياسي، حيث وصفت بلدان المعسكر الاشتراكي وبعض بلدان الانحياز الصندوق والبنك كأداة سياسية واقتصادية تخدم "الإمبريالية الأميركية". وثانيها فكري اقتصادي، حيث الرفض اليساري لسياسات الصندوق اليمينية ووصفاته القائمة على فرض التقشّف وخصخصة المرافق العامة وخدمة الرأسمال المالي على حساب الطبقتين الوسطى والفقيرة. وثالثها مصلحي، لجهة الخوف من رقابة الصندوق الكاشفة للتجاوزات واستغلال المرافق العامة.
والمختصر في لبنان هو رفض "الوصاية المالية الدولية". لكن المشكلة أنّ الحصول على استثمارات مؤتمر "سيدر" مشروط بإشراف صندوق النقد. ومساعدات "المجموعة الدولية لدعم لبنان" مربوطة بإصلاحات جذرية. ونحن في وضع لا يسمح لنا بأن نمارس مع المانحين وصندوق النقد المثل الأميركي القائل "إقبل النصيحة واعمل عكسها". ثم ماذا عن رفض الوصاية المالية والوقوع في الحجز المالي الدولي؟ وماذا إن كان خيار المصرّين على أننا في "محور المقاومة" وعلى رفض "الوصاية" هو مشروع "الولاية"؟ ماذا إن كان استهتار التركيبة السياسية بنا قاد الى المطالبة بالوصاية؟
"التفاؤل أفيون الشعوب". يقول ميلان كونديرا.
لكننا في حاجة الى هذا الأفيون، وسط الأزمات التي تتراكم فوقنا وفوقها الكورونا.