تمّ تمكين نجاح أوكرانيا في الحرب حتى الآن من خلال الدفاعات الجوية الأوكرانية، فميزان القوى لصالح الجيش الروسي، خصوصاً التفوّق الجوّي، إذ تملك روسيا 485 طائرة مقاتلة مقابل 85 للجيش الأوكراني، فضلاً عن عدد كبير من الصواريخ الباليستية البعيدة المدى، والمسيّرات الهجومية.
وإذا كانت مخزونات أنظمة الدفاع الجوي منخفضة، فإن ذلك يمنح الطائرات المقاتلة والمسيّرة الروسية، مزيداً من الحرية للعمل على الخطوط الأمامية ويزيد إمكانية الصواريخ الروسية الباليستية البعيدة المدى من تدمير أهدافها. فبمجرد سيطرة الطائرات الروسية على المجال الجوي الأوكراني، لن يكون من الصعب على أوكرانيا شنّ حملات برية هجومية ودفاعية فحسب، بل سيجعل أيضاً من الصعب على أوكرانيا نقل العديد والعتاد في جميع أنحاء البلاد، وحماية البنية التحتية الحيوية، ومقاومة حملات القصف المميتة للنقاط الحساسة.
لذلك، فإنّ حرمان القدرات الجوية الروسية من حرية العمل فوق أوكرانيا شرط لصدّ التفوّق الجوّي، وذلك من خلال أنظمة دفاعات جوية متطوّرة. تستخدم روسيا في هجومها على أوكرانيا جزءاً من جيلها الجديد من الصواريخ التي تعتبرها موسكو "لا تقهر"، أهمها صاروخ "كينزال كي اش 47" الباليستي، أو "خنجر" باللغة الروسية، وهو من أحدث الصواريخ الروسية وأكثرها تقدّماً والذي طورته روسيا لخرق أنظمة الدفاع الصاروخية الأميركية، عبر تمكين حمولته من الوقود في زيادة سرعته.
يطلق من الجو بواسطة الطائرة المقاتلة الروسية "ميغ 31" والقاذفة الجوية "توبوليف 22" والمسيّرات الروسية. مدى الصاروخ الباليستي "كينزال"، يصل إلى 2000 كيلومتر (1250 ميلاً) ويطير بسرعة تزيد 10 أضعاف عن سرعة الصوت (12350 كيلومتراً في الساعة)، ما يجعل من الصعب اعتراضه، ويمكنه حمل رؤوس حربية نووية أو تقليدية.
مزيج من السرعة فوق الصوتية والرأس الحربي الثقيل يسمح لـ"كينزال" بتدمير الأهداف المحصّنة بشدّة، مثل المخابئ تحت الأرض أو الأنفاق الجبلية. ويعد "كينزال" نسخة معدّلة تطلق من الجو من مسافات بعيدة وعلو شاهق، لصاروخ "إسكندر" الباليستي الروسي، الذي صمّم للإطلاق من منصات محمولة على شاحنات.
أطلقت روسيا منذ بداية الحرب نحو 50 صاروخ "كينزال"، خصوصاً على البنى التحتية ومصادر الطاقة الكهربائية والنووية الأوكرانية البعيدة عن خطوط القتال، ولم تستطع أنظمة الدفاع الجوّي الأوكراني إعتراضها، فناشدت أوكرانيا الولايات المتحدة تزويدها نظام "باتريوت" منذ بداية الحرب للتصدّي للهجمات الروسية الجوية والصاروخية الباليستية البعيدة المدى، ووافق البيت الأبيض على هذا الطلب وتسلّمته أوكرانيا الشهر الماضي بعد خضوع جنود أوكرانيين لدورة تدريب مكثّفة من 10 أسابيع في الولايات المتحدة للتدريب على تشغيلها. فنظام "باتريوت" الأميركي الصنع، الذي إعترض صاروخ "كينزال" فوق كييف مؤخراً، يستخدم أيضاً لإسقاط أو تحييد الطائرات دون طيار والطائرات الحربية، فضلاً على مجموعة من صواريخ "كروز" والصواريخ الباليستية، وقد حصلت أوكرانيا على نظام "باتريوت" من الولايات المتحدة وألمانيا وهولندا.
لكن بطاريات صواريخ "باتريوت" تفتقر إلى المرونة في الحركة إذا ما قورنت بالمنظومات السوفياتية الأقدم، مثل "بوك" و"أس 300"، وهو ما يجعلها أكثر عرضة للضربات من سلاح الجو الروسي. كما أنها لا تتناسب بشكل كبير مع مهام حماية مواقع القوات في الخطوط الأمامية على جبهات القتال، بما يعنى أنه من المرجّح الاحتفاظ بها للدفاع عن المدن الكبرى ومستودعات الأسلحة والجيش الأوكراني في الخطوط الخلفية.
بدأت أوكرانيا الحرب بأكبر ترسانة دفاع جوي أرضية في أوروبا، باستثناء روسيا، كما شكّلت أنظمة الصواريخ "بوك" و"أس 300" السوفياتية المستخدمة لاعتراض القذائف الروسية، معظم الدفاعات الجوية الأوكرانية، فضلاً عن استخدام الجيش الأوكراني منظومة "آيريس الألمانية" و"ناسامز" الأميركية.
لكن من المتوقع أن تنفد صواريخ نظامَي "بوك" و"أس 300" قريباً، وفقاً لإحدى وثائق البنتاغون المسرّبة. ويستند التقدير إلى معدّلات الاستهلاك العالية. ففي بداية الحرب، اخترقت الطائرات الروسية عمق الأراضي الأوكرانية لإلقاء قنابل، لكنّها سرعان ما أسقطت وتكبّدت خسائر فادحة، فقرّرت القوات الجوية الروسية أنها لا تستطيع تحمّل مثل هذه الخسائر الفادحة، واختارت إلى حدّ كبير صواريخ "كروز" البعيدة المدى التي ركّز كل من "بوك" و"أس 300" على اعتراضها. لكن صواريخ "كروز" باهظة الثمن ويصعب إنتاجها.
تمتلك كييف نحو 100 بطارية لنظام "أس 300" مع وجود قرابة 300 قاذف، لكنّ في غضون 6 إلى 7 أسابيع من بدء الحرب، دمّرت روسيا نحو 21 قاذفاً لنظام "أس 300"، وحتى مع حصول أوكرانيا على إمدادات لصواريخ المنظومة من سلوفاكيا وعدّة دول في شرق أوروبا، إلّا أنّ مخزونها بدأ بالنفاد بالفعل.
إن ضرب أنظمة الدفاع الجوية الأوكرانية، ضرب لمركز الثقل التكتي الذي يحدّ من قدرة الجيش الروسي على الإستفادة من التفوّق الجوّي. وبالطبع هذا هدف روسيا اليوم. ويمكن أن يكون هدف إطلاق الصاروخ "كينزال كي أش 47" الباليستي، فقط لإختبار قدرة نظام "باتريوت" وإعادة تقدير الموقف، بعد الإختبار الفاشل للمسيّرات الإيرانية بمواجهة أنظمة الدفاع الجوية الأوكرانية.