رفيق خوري

عجز الفرض والرفض والبديل ممارسة العرض

3 دقائق للقراءة

معركة الرئاسة صارت عملياً "معركتين" يجب أن تكونا واحدة متكاملة بقوة الأشياء. والفصل بين المعركتين هو مجرد رمز للمخاطر في لبنان وعليه. الأولى هي تجميع الأصوات النيابية اللازمة لإنتخاب رئيس من دون تعطيل النصاب. والثانية هي تأمين الرضى الداخلي ورضى الأشقاء العرب والأصدقاء الدوليين الذين من دون مساعداتهم للخروج من الأزمة يصبح الرئيس مجرد شاهد على تفليسة الجمهورية. ولا غنى، على الرغم من ممارسة الغطرسة، عن الرضى الداخلي. ولا فائدة من التذاكي في تأويل الموقفين السعودي والأميركي الذي خلاصته: لا فيتو على أحد، ولا ترشيح لأحد. فهذا هو الوجه الأول لقطعة النقد. والوجه الثاني هو قدرة الرئيس على توحيد البلد وإجراء الإصلاحات المطلوبة، وضمان الإتفاق مع صندوق النقد الدولي، ومحاربة الفساد وممارسة السيادة.

الوجه الأول هو الكلام الديبلوماسي الذي يفسره المثل الشائع عن الفارق بين المرأة والديبلوماسي: إذا قالت المرأة لا تعني ربما، وإذا قالت ربما تعني نعم، وإذا قالت نعم لا تكون إمرأة. الديبلوماسي إذا قال نعم يعني ربما، وإذا قال ربما يعني لا، وإذا قال لا لا يكون ديبلوماسياً. والوجه الثاني هو الموقف السياسي. الكل على إستعداد لمساعدة الرئيس القادر على إنقاذ لبنان وضمان الإستقرار والأمن وإيجاد حلول للأزمات المالية والإقتصادية والإجتماعية. ولا أحد، باستثناء فرنسا لأسباب معينة، يريد تبني أي مرشح لأنه يخشى من أن يتحمل ثمن الخيار في حال فشل الرئيس في إستعادة هيبة السلطة وإيجاد الحلول للأزمات.

ومن هنا عودة الكلام الخارجي على مسؤولية اللبنانيين عن الإتفاق على رئيس، بعد إنتظارات ورهانات على تدخل خارجي مباشر كما جرت العادة منذ الإستقلال. لعبة داخلية تحت رقابة خارجية. فالترشيح من الداخل، لكن المساعدات من الخارج. والوقت حان لتسليم القوى الداخلية، بصرف النظر عن الإرتباطات الخارجية، بنهاية المبارزة بين قوة تمارس الفرض وقوة تمارس الرفض وبدء ممارسة العرض. فالفرض قوة عاجزة، والرفض قوة سلبية. والنتيجة حتى الآن هي تسارع الإنهيار وإزدياد نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر والذين لا خيار أمامهم سوى الهجرة.

وليس هناك سوى طريقتين في مقاربة الإستحقاق الرئاسي: واحدة هي أن تتفق القوى "السيادية والتغييرية " على مرشح مقابل المرشح الذي اختاره "الثنائي الشيعي" ثم الذهاب الى المجلس النيابي لإنتخاب رئيس عبر التنافس الديمقراطي، وليتحمل كل فريق نتيجة خياره. وثانية هي الحوار الجدي للإتفاق على مرشح لديه المواصفات المطلوبة داخلياً وخارجياً للإنقاذ، وليس الحوار للموافقة على خيار محدد سلفاً، بحيث يكون الإنتخاب بداية توحيد البلد والسعي لحل أزماته العميقة بمساعدة الأشقاء والأصدقاء.

ومن المهم والضروري والملح إنتخاب رئيس بعدما صار الشغور الرئاسي نوعاً من القاعدة لا الإستثناء. لكن الأهم هو أن يكون قادراً على إعادة الإنتظام الى عمل المؤسسات وممارسة الحكم بالصلاحيات الباقية له. وهي صلاحيات أكّد الشغور الرئاسي وشلل البلد أنها لا تزال ضمان الحكم الرشيد إذا مورست بنزاهة وموضوعية من دون ممالأة لأي طرف قوي.

كان لينين يتحدث عن "المجانين المفيدين" وريفان يستخدم تعبير "المجنون الحكيم". لكن ما نحتاج إليه في لبنان هو العقلاء المفيدون.