يعقوب طالب

لبنان أمام فرصته الثانية: أيّ نظام بعد فخّ تقاسم السلطة؟

9 دقائق للقراءة

في مقالٍ سابق بعنوان «فخّ تقاسم السلطة»، بيّنّا أنّ أنظمة تقاسم السلطة لم تنجح مرّة واحدة في الدول المنقسمة دينيًا. فهي توقف الحروب، لكنها تشلّ الدول بعد ذلك. وحذّرنا من أنّ لبنان لا يستطيع الاستمرار بالصيغة نفسها من دون أن يدفع الثمن من جديد.


تجارب متشابهة ونهايات متشابهة

بعض الدول وُلدت منقسمة بين ديانات كبرى. لا جماعة فيها قادرة على الحكم وحدها. جرّبت هذه الدول تقاسم السلطة لإدارة تنوّعها الديني. والنتائج معروفة. قبرص منحت الأقلية التركية حقّ النقض عام 1960. فتعطّلت الدولة خلال ثلاث سنوات، ثم جاء العنف، ثم التقسيم. البوسنة أنهت حربها باتفاق دايتون. وبعد ثلاثين عامًا، ما زالت أحزاب الحرب نفسها تحكم، وما زالت الدولة شبه مشلولة. العراق اعتمد المحاصصة بين الشيعة والسنّة والأكراد. فتحوّلت الوزارات إلى غنائم، وانتشر الفساد. السودان جرّب تقاسم السلطة بين الشمال والجنوب. فانقسم إلى دولتين، ثم غرق الجنوب في حرب أهلية جديدة. ونيجيريا تتداول السلطة بشكل غير رسمي بين شمالها المسلم وجنوبها المسيحي، ومع ذلك لا تزال تعاني موجات عنف ديني متكررة. القاسم المشترك في كلّ هذه التجارب واضح: شلل في القرار، وفساد في الإدارة، وتدخّل خارجي دائم، وإفقار للناس، وأحيانًا حروب وتقسيم.

ولبنان ليس استثناءً. بل هو الشاهد الأوضح. مشاكل لبنان ليست تقنية. جذورها كلّها في نظام سياسي معطَّل. الأزمة المصرفية لم تقع لأنّ المصارف منحت قروضًا سيئة أو غامرت بأموال المودعين. وقعت لأنّ النظام السياسي المشلول أنفق بلا حساب، واستدان بلا خطة، ولم يحاسِب أحدًا. والأمر نفسه ينطبق على أزمة الكهرباء. فمؤسسة كهرباء لبنان لم تعجز عن إنارة البلد لنقص في الهندسة أو التمويل، بل لأنّ كلّ فريق حجز حصته فيها، فصارت غنيمة لا مرفقًا عامًا. وينطبق أيضًا على انهيار الصحة العامة، وعلى تراجع التعليم الرسمي، وعلى تعطيل القضاء، وعلى الإدارة العامة كلّها. حيثما نظرت، وجدت المرض نفسه: نظام لا يستطيع أن يقرّر، ولا يمكن أن يُحاسَب.


كيف وصلنا إلى هنا؟

في مطلع القرن العشرين، وُضع لبنان تحت الانتداب الفرنسي المباشر بتكليف من عصبة الأمم. أرادت فرنسا إنشاء كيان مستقل في جبل لبنان لحماية المسيحيين الموارنة. لكنّ جبل لبنان، بحدود عهد المتصرفية، لم يكن قادرًا على العيش اقتصاديًا وحده. فضمّت إليه فرنسا أراضي خصبة من بلاد الشام: عكار والبقاع والهرمل والجنوب، إضافة إلى المدن الساحلية. كان معظم سكان المناطق المضمومة من المسلمين. رفضوا فكرة الانضمام إلى لبنان الجديد، وفضّلوا الانضمام إلى مملكة الملك فيصل. لكنّ فرنسا أخرجت فيصلًا من سوريا عام 1920، وفرضت الضمّ فرضًا. هكذا وُلد لبنان الكبير: دولة متعددة الطوائف بقيادة مارونية، أُنشئت لصون الخصوصية المسيحية في محيط إسلامي.

كان النظام ديمقراطية تمثيلية ليبرالية، يقودها رئيس ماروني يملك صلاحيات تنفيذية واسعة. مع الوقت، كبر الاستياء عند فئات كثيرة. وبدأ بعضها يتعاون مع قوى خارجية لزعزعة الحكم. وفي عام 1975 اندلعت الحرب الأهلية. واستمرت حتى عام 1990، حين أنهاها اتفاق الطائف الذي أُقرّ برعاية سعودية وعربية. والطائف اتفاقُ تقاسمِ سلطة. سحب الصلاحيات التنفيذية الأساسية من رئيس الجمهورية، ووضعها في يد مجلس الوزراء مجتمعًا. أنهى الاتفاق الحرب فعلًا. وسار النظام «بسلاسة» طوال خمسة عشر عامًا. لكنه سار لسبب لا يحبّ كثيرون الاعتراف به: كانت الوصاية السورية تدير اللعبة، وتضبط الخلافات بقبضتها الأمنية. وفي عام 2005 خرج الجيش السوري من لبنان. فانكشف الغطاء، وظهرت كلّ العيوب الكامنة في النظام.


الخطر... ثم الفرصة

بعد مئة عام على قيامه، وصل لبنان إلى تهديد وجودي. انهارت العملة عام 2019، وتبخّرت مدّخرات الناس. وانفجر مرفأ بيروت عام 2020، فدمّر العاصمة وقتل أكثر من مئتي إنسان. وهاجر جيل كامل من الشباب بحثًا عن حياة كريمة في مكان آخر. دولة كاملة توقفت عن أداء وظيفتها الأولى: حماية شعبها ورعاية مستقبله. لكن في تشرين الأول 2023، انقلبت الجغرافيا السياسية في المنطقة رأسًا على عقب. تغيّرت موازين القوى حول لبنان وداخله. واليوم يُمنح لبنان فرصة ثانية. الفرص من هذا النوع لا تتكرر كثيرًا في حياة الأمم. وهي يجب أن تُؤخذ على محمل الجدّ. المطلوب نقاش جدّي على مستوى القيادات والبرلمان، للاتفاق على نظام سياسي جديد. نظام يُبنى بطريقة تمنع تكرار الأزمات التي هزّت لبنان: أحداث 1958، وحرب 1975، والانهيار الشامل في عامَي 2019 و2020.


ما الذي تغيّر قبل طرح الخيارات؟

قبل عرض السيناريوهات، لا بدّ من تسجيل تغيّرين كبيرين.

الأول اقتصادي. عام 1920، لم يكن جبل لبنان قادرًا على العيش وحده. اليوم انقلبت الصورة. فالمنطقة المعروفة تاريخيًا بجبل لبنان صارت تملك اقتصادًا حيويًا، يقوم على السياحة والتحويلات وتصدير السلع والخدمات. تشير تقديرات أولية إلى أنّ نحو60% من العملة الصعبة التي يجذبها لبنان - نحو 20 مليار دولار في السنوات الجيدة - تتّجه إلى جبل لبنان. وقياسًا على أداء الاقتصاد اللبناني قبل عام 2019، فإنّ اقتصادًا يجذب نحو 12 مليار دولار في السنة قد يوازي ناتجًا محليًا بين 40 و35 مليارًا. ومع نحو مليون ونصف مليون مقيم، يقترب الناتج الفردي في جبل لبنان من 25 ألف دولار. أما المناطق التي ضُمّت إلى جبل لبنان عام 1920 صارت بدورها قادرة على الاستمرار بذاتها. فما ينقصها من عائدات السياحة أو التحويلات أو الصادرات، يمكن أن تغطّيه مساعدات مالية من رعاة خارجيين، مثل إيران والسعودية. أي إنّ الحجة الاقتصادية التي فرضت الضمّ عام 1920 لم تعد قائمة في الاتجاهين.

الثاني سكاني وسياسي. عام 1920، كان معظم سكان المناطق المضمومة يحلمون بأن يكونوا جزءًا من سوريا. واليوم، صار هذا الحلم كابوسًا عندهم أنفسهم. فلم يعد أحد يطالب بالوحدة مع دمشق، ولا يرى أحد مستقبله خارج الكيان اللبناني باستثناء حزب البعث والحزب القومي السوري. هذان التغيّران، الاقتصادي والسكاني، يجب أن يكونا حاضرين في أيّ مراجعة جدية للنظام السياسي اللبناني.


الخيار الأول: إصلاح النظام الحالي

نبدأ بمراجعة هادئة للنظام القائم، فنحدّد نقاط ضعفه ونعالجها. أخطر هذه النقاط هي قيادة السلطة التنفيذية. فاتفاق الطائف ميّع صلاحيات الرئيس ونقلها إلى مجلس الوزراء مجتمعًا. فتشتّتت القيادة. لا رئيس الجمهورية يستطيع تنفيذ سياساته، ولا رئيس الحكومة. والناخب لا يستطيع محاسبة أحد ولا مكافأة أحد، لأنّ المسؤول عن السياسة الفاشلة لا يمكن تحديده. فإذا تعطّلت الكهرباء أو انهارت الليرة، تبادل الجميع الاتهامات، وخرج الجميع أبرياء.

الحلّ المقترح: تُعاد إلى الرئيس الصلاحيات التي أخذها الطائف. وتُخفَّض ولايته إلى أربع سنوات بدل ستّ، قابلة للتجديد مرة واحدة. تبقى رئاسة الجمهورية للموارنة، وتبقى رئاسة الحكومة لمسلم. ويكون حاكم المصرف المركزي مسيحيًا غير ماروني، ومثله قائد الجيش. إذا قُبلت هذه الصيغة، يحصل لبنان على سلطة تنفيذية متماسكة بقيادة الرئيس. لكنها تحمل معها المشاكل نفسها التي أقلقت لبنان قبل الطائف:

• سيشعر بعضهم بالغبن لأنّ الرئيس ماروني. وقد يستغلّ هؤلاء الملفات المعيشية بالديماغوجيا لهزّ النظام والاستقواء بالخارج.

• بعضهم لا يؤمن أصلًا بقيم الديمقراطية الليبرالية، ويشعر بأنه محاصر داخل نظام لا يشبهه.

• الإدارة العامة الموروثة من زمن المحاصصة متخمة بموظفي الزبائنية غير المنتجين. وهي تحتاج إلى إعادة هيكلة قاسية قد تعني الاستغناء عن نحو 60% من الموظفين. وهذا عبء ثقيل على أيّ نظام جديد.


الخيار الثاني: الفدرالية

يقوم هذا السيناريو على إنشاء دولة اتحادية من أربع أو خمس ولايات. لكلّ ولاية موازنتها وقوانينها وقضاؤها وبرلمانها وحكومتها. وتبقى حكومة مركزية قوية تمسك بالقوى الأمنية والسلطة النقدية والسياسة الخارجية. تكون الحكومة المركزية ديمقراطية ليبرالية، يقودها الرئيس المنتخب لولاية جبل لبنان. وأيّ ولاية لا توافق على النظام السياسي للحكومة المركزية، أو لا تقبل بسياساتها، يمكنها الانفصال عنها وديًا. يقول أنصار هذا الخيار إنه يعطي كلّ جماعة حكم نفسها بنفسها في شؤونها اليومية، ويخفف الاحتكاك بين المكوّنات، ويبقي في الوقت نفسه مظلة دولة واحدة للأمن والنقد والتمثيل الخارجي.


الخيار الثالث: نظام لا يوزّع السلطة على الطوائف

الفكرة هنا بسيطة: بدل حجز المناصب لكلّ طائفة، نضع قواعد انتخابية تجعل الفوز مستحيلًا من دون أصوات كلّ المكوّنات. يُنتخب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب، ويملك السلطة التنفيذية كاملة، فيعرف الجميع مَن يحاسبون. لكن لا يكفي أن ينال المرشح نصف أصوات اللبنانيين. عليه أيضًا أن ينال عتبة دنيا من الأصوات - 40% مثلًا - في ولاية جبل لبنان. وبما أنّ جغرافيا لبنان تعكس طوائفه، لا يستطيع أيّ مرشح الفوز بأصوات طائفته وحدها. يحتاج إلى الجبل والشمال والجنوب والبقاع معًا. ويترشح الرئيس ضمن لائحة تضمّ نائبين له من محافظات مختلفة. ويُنتخب مجلس النواب من دون أيّ قيد طائفي. وإلى جانبه مجلس شيوخ طائفي، كما وعد اتفاق الطائف نفسه، لكنّ حقّ النقض فيه محصور بالقضايا المصيرية فقط: تعديل الدستور، وقرارات الحرب والسلم، وقوانين الأحوال الشخصية. وتُدار الوظيفة العامة بالكفاءة لا بالمحاصصة. لهذه الصيغة سوابق في العالم. فنيجيريا تشترط على الفائز بالرئاسة نسبة دنيا من الأصوات في ثلثي ولاياتها. وإندونيسيا وكينيا تعتمدان قواعد مشابهة. الهدف واحد في كلّ مكان: أن يضطرّ المرشح إلى مخاطبة كلّ المكوّنات، لا إلى تجييش جماعته وحدها. في هذا النظام، لا تُحجز السلطة لأحد، ولا يستطيع أحد أن يتجاهل أحدًا. وتصبح قوة كلّ منطقة في كونها ممرًّا إجباريًا نحو الرئاسة، لا في مقعد محجوز لها سلفًا.


الخيار الرابع: ألّا نفعل شيئًا

يبقى خيار أخير: ألّا نفعل شيئًا، ونأمل الأفضل. يستمرّ لبنان بنظام تقاسم السلطة نفسه. وتبدأ الدورة من جديد. وبعد سنوات قليلة، تأتي أزمة شبيهة بأزمة 2019 و2020. لكن لا ضمانة، هذه المرة، أن تنقذنا مصادفة جيوسياسية جديدة، وتعيد لبنان من عالم الموتى مرة أخرى. والمؤسف أنّ الجمود ومصالح الأحزاب المهيمنة سيعملان ضدّ التغيير. فكلّ أركان المحاصصة رابحون من بقائها: يتقاسمون الوظائف والعقود والمواقع، ويدفع الناس الثمن. ولهذا بالذات، لا يجوز أن يُترك النقاش لهم وحدهم. على المواطنين، وعلى الجامعات والنقابات ووسائل الإعلام، أن تفرض هذا النقاش فرضًا في الفضاء العام. الصيغة التي ورثناها ليست مقدّسة. إنها تفشل أمام أعيننا. وأول عمل صادق يقوم به شعب يريد البقاء، هو أن يتوقف عن تكرار الشيء الذي يقتله.