جيمي الزاخم

أطفال القمر: إذا لدَغَتْهُم الشمسُ... قَتَلَتْهُم

6 دقائق للقراءة

تنبيه: قبل الاقتراب من حقل هذا النص، تحسّسوا جلدكم. هكذا تنجحون بتلمّس الحروف يا قرّاءنا. العنوان من معشر الأدب وجماليّته. لكنّ الحقيقة هي ابنة الألم والكفاح. "أطفال القمر" ليس عنوان رواية أو فيلم. هذا اسمٌ شاعريّ لمرض نادر، بل نادر جداً. اسمه العلميّ هو جفاف الجلد المصطبغ (xeroderma pigmentosum). يغيب عن بقاع كثيرة، وينتشر بالدرجة الأولى في بلدان المغرب العربي، وتأتي اليابان وبعض الدول الأوروبية والآسيوية في المرتبة التالية. في الولايات المتحدة الأميركية، يحمله فرد واحد من أصل مليون.



يولد طفل القمر ومعه المرض. يحمله في جيناتٍ ورثها عن والديه، دون أن تكون بالضرورة عوارضه ظاهرة على أحدهما. سببه غياب أنزيم يعالج الطفرات الناتجة عن اختراق الأشعة فوق البنفسجية للجلد... إذاً: عدوّته الشمس؟ الإجابة: نعم! شمسنا، صديقتك وصديقتي. نجمة الجماهير ظالمة، قاتلة. نقطة ضوئها قد تفجّر ينابيع من الأورام وتسدّ أحلاماً... "ع الشمس خلّي حلمك يودّيك": الشمس التي غناها وديع الصافي في أغنية "يا ابني" وكتبها الشاعر أسعد سابا، هي الشمس نفسها التي يحلم هؤلاء المصابون ألّا تكون كابوسهم. العوارض تبدأ بالظهور منذ الطفولة. كلّما مشى خطوة تحت الشمس، كلّما سار النمش متكاثراً مزدحماً على الجلد. ومع عدم الوقاية والمتابعة، تتحوّل البقع إلى خلايا سرطانية.

اليوم، في رحلتنا إلى الشمس، لن نقترب منها. هنا، الحروف أطفال قمر. تضامناً، تتحوّل الحروف الشمسية إلى قمرية. النقطة والفاصلة ترتديان نظارات وقفّازات. فلا يقترب أحد من الشمس ومرضها. مرض نتحدث عنه مع رئيسة جمعية أطباء أمراض الجلد في لبنان د. ميشلين معماري شالوحي. ومن كندا، تروي التونسية لمياء حكيم تجربتها لـ"نداء الوطن" كأوّل طفلة قمر تنال شهادة الدكتوراه في العالم.




لا علاج إلا الوقاية والمراقبة الطبية


الدكتورة ميشلين معماري شالوحي تعالج شقيقتين تحملان هذا المرض. هما حالتان من حالات نادرة لبنانياً. "فطبيب الأمراض الجلدية قد يمضي عمراً كاملاً من دون أن يصادف حالة واحدة". السّواد الأعظم من الحالات ينتج عن زواج الأقارب. لكنّه ليس وضع هاتين الشقيقتين اللتين تجاوزتا الخمسين. قصدتاها منذ عشر سنوات. وحتى اليوم، استؤصِلَت من الشقيقة الأولى 10 أورام ميلانية (أخطر أنواع الأورام الجلدية) و8 من الثانية... عدد كبير من الأورام في ظل عدد قليل من السنوات! لكن لولا المعاينة الدوريّة والوقاية الصارمة، لكان الوضع أسوأ. كل 3 أشهر، تعاين معماري النمش المنتشر بكل الجسد نقطة نقطة. تحدّد النقاط المشكوك بها. بالـDERMOSCOPE (منظار الجلد) تدقّق أكثر في الخلايا إذا كانت تحمل إنذاراً قاتلاً. تتكلّم معماري كأمّ قلقة، مدركة لما يعيشه هذا المريض من صعوبات نفسية ومخاطر صحية مع انعدام العلاج.



درهم الوقاية هو العلاج الوحيد. يتجنب المصاب الخروج نهاراً إلا عند الضرورة: يحجب وجهه بقناع واقٍ (إذا كان بإمكانه شراءه نظراً لكلفته الماديّة). قناع طوّرته جمعية اطفال القمر الفرنسية لحماية الوجه. (أنظر إلى الصورة). يحجب عينيه بنظارات، ويديه بقفازات. تزوّد منازلهم وسياراتهم بألواح واقية، مع توفير إضاءة داخلية غير فلورية. إضافة إلى الكريمات والمقويات كالفيتامين D. تلفت د. معماري إلى أنّ المراقبة الطبية ليست للجلد فقط. يوزّع هذا المرض ميراثه على كل أعضاء الجسد. قد تطال أورام خبيثة العيون، الأذن، الدماغ مع مشاكل في السمع والجهاز العصبيّ وغيرها من المضاعفات طويلة الامد. إذاً "الغلط ممنوع!".


الدكتورة ميشلين معماري شالوحي



لمياء الحكيم: طفلة قمر مع إصرار برتبة دكتوراه


هذا الكسوف الخارجي قد ينعكس عتمة في روح المرضى. هذا المرض أنواع ودرجات. ولكلّ حالة ظروف عائلية، ثقافية، مادية (الكلفة مرتفعة لتأمين أقنعة، واقيات وألواح بكميات كبيرة). فليس الكل سواسية. قد ينغلق البعض على ذواتهم مع مرضهم. ورويداً رويداً يغلقون الباب على عمرهم خاصةً أن أمد العمر في هذه الحالات ليس طويلاً. أما البعض الآخر بظروفه، ينجح بتحويل هذا الكسوف إلى شمس داخلية دافئة. يرسمها على ورق قلبه لتقيه برودة الأيام. يخترع لونها، ليمحو السّواد.


لمياء الحكيم



هكذا هي لمياء الحكيم الشابة التونسية. تحدّثنا من كيبيك في كندا التي انتقلت إليها منذ سنة وسبعة أشهر. هناك، يعرف الأطباء المرض من الكتب على حدّ قولها. "فأطفال القمر في كندا هم ثلاثة تونسيين فحسب". الاهتمام الطبي يحيط بالمريض على كافة الصعد. في الشارع، الاستغراب يقف متوجّساً متسائلاً إزاء رؤية وجه مستور، وجسد محجوب. هذا الاستغراب يزول ليحلّ محلّه الدعم والتفهم في أماكن لا تطالها الأشعة فوق البنفسجية، فتخلع لمياء قناعها.

الدكتوراه في علم الجينات والوراثة، التي نالتها لمياء في تونس، لم تتناولها بملعقة ذهب أو فضة. واجهت بعيون لا تعرف البهتان، وابتسامة كريمة لا تنتظر الهدايا المجانية من الحياة. تمسك لمياء الحياة من تائها المربوطة، تحوّلها إلى طابة في ملعب الأحلام، إلى يدين مضمومتين كدعم والديها، إلى حضن يغمرها كزوجها "سوفيان".

في المرحلة الابتدائية، معلّمة اللغة الفرنسية لم تتقبّلها في الصف. هذه حادثة من سلاسل تجارب قيّدت الطفلة، خنقت المراهقة. "فشعرت بالوحدة، أنّها مختلفة غير مرغوب بها". في الـ17 من عمرها، كتبت إلى الشمس رسالة غضب وعتب. لكنّها اليوم، وبعد النضج والإيمان بقدرها ونفسها، تقبّلت وتفوّقت. "صعب جداً ألا تخرج إلى الشمس حرّاً طليقاً. لو لم أكن صارمة وحذرة، لو لم أحرم نفسي من الكثير لأحافظ على صحتي، لما وصلت إلى الثلاثين وحقّقت أهدافي".

دعم المحيطين وحبها الكبير للحياة يقول لها: ثابري. اكتبي رسالتك بخط عريض. إقرئيها بصوت جهوريّ: أنا طفلة القمر. في روحها كواكب من نور، تشعّ نجومها ولو نزفت شوكاً: "أحياناً كثيرة أنفرد بنفسي. أبكي. أقلق. هذا مرض صعب التأقلم معه". فالجرح ساخن طازج. يصفعها. تمدّ يدها إليه وتقبّله لتشفيه قبل أن يشفيها. تصحبه في يومياتها. يرافقها إلى غدها. غد تتمناه مع نعمة الصحة الجيّدة، لتمرّ مياهه بسلامة بين حبات النمش في حقل جسدها. حبات حوّلتها لمياء ومثيلاتها إلى سنابل قمح تطعم عصافير الحلم، لتطير وتحلّق وتعلو... فتصل إلى ما فوق الشمس.