رواد مسلم

الحرب النفسية في صلب التكتيكات الروسية

6 دقائق للقراءة
بوتين يسعى إلى تحفيز عناصر الجيش الروسي لمواصلة القتال (أ ف ب)

أطلقت روسيا منذ شباط 2022 في ما تسمّيه «العملية العسكرية الخاصة»، آلاف الصواريخ والذخائر على المدن والبنى التحتية والقوات العسكرية في أوكرانيا. وقد قتلت هذه الهجمات وشوّهت آلاف المدنيين والأفراد العسكريين الأوكرانيين وألحقت أضراراً بالغة بالبنية التحتية والاقتصاد في أوكرانيا. كانت لروسيا ميزة واضحة على أوكرانيا في الذخائر طويلة المدى والموجهة بدقة طوال الحرب.

إستخدمت روسيا الهجمات الصاروخية كأدوات للحرب النفسية. وقد تضمنت هذه الإجراءات هجمات على أهداف مدنية تهدف إلى إضعاف الدعم المقدّم لحكومة الرئيس فولوديمير زيلينسكي وإحباط معنويات المدنيين الأوكرانيين، ولكسب الرأي العام الروسي والدولي. ومع ذلك، فشلت هذه التكتيكات في كسر إرادة أوكرانيا للقتال. وبدلاً من ذلك، يصبح لديهم تأثير معاكس، حيث تسبّبوا بتصلّب عزم أوكرانيا وتضخيم المشاعر المعادية لروسيا محلياً ودولياً.

هناك أمثلة متعددة لمحاولة روسيا استخدام الهجمات الصاروخية لتغيير الرأي العام لصالحها أو للتأثير نفسيّاً على حساب القيادة الأوكرانية. أدت هذه الجهود إلى نتائج عكسية بشكل عام. كان أحد الحوادث، هجوم روسيا بالصواريخ الباليستية على محطة سكة حديد كراماتورسك، ما أسفر عن مقتل ما يقرب من 60 مدنياً وإصابة أكثر من 100 آخرين. استخدمت روسيا في الهجوم، صواريخ باليستية قديمة من طراز «Tochka-U 21SS-» مزودة برؤوس حربية صغيرة.

نظام «Tochka-U» هو نظام الصواريخ الباليستية الوحيد الذي تشترك فيه روسيا وأوكرانيا. وفي أعقاب الهجوم، دفعت روسيا بالرواية القائلة إنّ أوكرانيا نفذت هجوماً كاذباً لكسب التعاطف الدولي. كشف تحقيق مستقلّ زيف هذه المزاعم مؤكّداً أن روسيا لا تزال لديها صواريخ «Tochka-U 21-SS» في الخدمة وأن الصاروخ الذي أصاب كراماتورسك جاء من الأراضي التي تحتلها روسيا.

في وقت سابق من آذار 2022، ضرب صاروخ «Tochka-U» بذخائر صغيرة وسط مدينة دونيتسك، ما أسفر عن مقتل أكثر من 20 مدنياً. على عكس هجوم كراماتورسك، وقع هذا الهجوم داخل الأراضي التي تحتلها روسيا. قدّمت وسائل الإعلام الروسية الحادث على أنه هجوم أوكراني، وهو اتهام نفته أوكرانيا، قائلة إنّ الصاروخ روسي الأصل.

في تشرين الأوّل 2022، أصابت المقذوفات مركز تسوّق وسط مدينة دونيتسك المحتلة، اتهمت مصادر روسية أوكرانيا بمهاجمة المبنى المدني بصواريخ HIMARS المقدّمة لأوكرانيا من الولايات المتحدّة، لقلب الرأي العام المحلي والدولي ضدّ الدعم الأميركي للجيش الأوكراني، ومع ذلك، ظهرت لاحقاً صور حطام صاروخ روسي من طراز «31Kh-» في موقع الانفجار.

أمّا بالنسبة لإستهداف الكرملين بواسطة الطائرات المسيرة مؤخراً، فإن التحليل العسكري لهذه العملية يبيّن أن من خطّط ونفّذ هو قادر على المراقبة، والتخطيط، وتأمين اللوجيستيّة اللازمة، خاصة المتفجّرات. فالمسيّرة التي ربّما استعملت متوفّرة في الأسواق، ويمكن الحصول عليها بسهولة. وهي عادة تستعمل في تصوير الاحتفالات. فحجم المسيّرة حسب الفيديو الذي نشر هو صغير نسبيّاً، ومدى هذه المسيّرة يتراوح بين 400 متر و4 كيلومترات، الأمر الذي ينفي انطلاق الهجوم من داخل الأراضي الأوكرانيّة، إذ إن أقرب نقطة من الحدود الأوكرانيّة (شمال مدينة سومي) إلى الكرملين هي حوالى 450 كيلومتراً. لكن هذا الأمر لا ينفي إمكانيّة التنفيذ من قبل قوات خاصة تسلّلت إلى الداخل الروسيّ.

والأمر الأهم هو أن الإنفجار حصل دون اصطدام المسيّرة بسارية العلم أو قبة المبنى، لذلك من المرجّح أنها كانت مُفخّخة وفُجّرت عن بُعد أو أنها مجهّزة بنظام تتبّع إحداثيات الهدف الجغرافية لتنفجر فور وصولها على إرتفاع معيّن فوق تلك الإحداثيات، ما يؤكد أن الدفاعات الجوية الروسية لم تعترضها، علماً أن روسيا تمتلك أقوى منظومة دفاع جوّي في العالم وأهم أسلحتها منظومة «أس-400»، وهي تدافع بها عن المجال الجوّي لقاعدة حميميم الروسية في سوريا، فهل هذه القاعدة أهم من الكرملين؟ والتشويش الإلكتروني لنظام التتبع العالمي حول الكرملين يؤدي إلى عدم إمكانية استخدام الطائرات المسيّرة، وهذا النوع من المسيّرات والذخيرة المنفجرة على ارتفاع معيّن ومسافة محدّدة بحاجة لنظام التتبع العالمي.

يبقى التحليل الافتراضي أنّ روسيا وجّهت هذه العملية ضمن الحرب النفسية، فإنّ كلمة الكرملين تعني «القلعة المحصنة داخل المدينة»، والهجوم على الكرملين يعني تهديداً مباشراً للأمن القوميّ الروسيّ وضرب صورة روسيا القويّة التي يُريدها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لاعباً فاعلاً على الساحة الدولية. هكذا يُمكن وصف الهجوم على الكرملين، والذي يشدّ عصب المواطنيين الروس ويظهّر مجدداً القومية الروسية، ويبرّر الهجمات اللاإنسانية على البنى التحتية في المدن الأوكرانية وأهمّها في كييف.

أسرع الروس بإتهام أوكرانيا بتنفيذ عملية لمحاولة إغتيال بوتين بمساعدة الولايات المتحدة، علماً أن الجيش الأوكراني الذي لو أراد تنفيذ الإغتيال، سيلجأ إلى العمل المخابراتي الدقيق وبالطبع لن يقوم بتفجير المسيّرة دون التأكد أقلّه أن بوتين متواجد في الكرملين. علماً أن أوكرانيا على يقين أنها ستكون الخاسر بعد الهجوم على الكرملين، فالردّ سيكون قاسياً من الجانب الروسي. لذلك تبقى فرضية أن هذا العمل يمكن أن تكون روسيا وراءه لعدة أهداف، أهمها أن الحادث جعل الأمر يبدو كأن الأوكرانيين يهاجمون روسيا، وذلك يخلق رواية تبرر انتهاك الروس المستمرّ للقانون الدولي بهجماتهم العشوائية على البنية التحتية الأوكرانية والمدنيين.

أيضاً هذا الحادث يدفع جزءاً من دول «حلف شمال الأطلسي» إلى تقليل التضامن مع الأوكرانيين. أما بالنسبة للأميركيين، إذا اعتقدت إدارة الرئيس جو بايدن أن الأوكرانيين هاجموا الكرملين فقد تُصلّب مواقف بعض أعضاء الإدارة بعدم تزويد أوكرانيا بصواريخ هجوم بري بعيدة المدى، كان الأوكرانيون يطلبونها بشدة منذ بدء الحرب، كون هناك إرادة أوكرانية بضرب العمق الروسي الإستراتيجي دون موافقة ومساعدة مخابراتية منهم.

تمتلك روسيا تاريخاً طويلاً من عمليات الخداع العسكري، أي ضرب أهداف روسية لتبرير عمل عسكري، بما في ذلك قصف مبنى سكني في موسكو، الذي استخدمه بوتين ذريعةً لاستئناف حرب الشيشان في عام 1999. يأتي توقيت الهجوم على الكرملين بالمسيّرات لتبرير الهجوم المماثل بالمسيّرات على البنى التحتية الأوكرانية ولتبرير الجرائم التي ترتكبها روسيا بحق المدنيين في أوكرانيا ولمواصلة السرد القائل إن روسيا تدافع عن مصالحها، وزيادة خيارات الأهداف الإستراتيجية التي ستهاجمها روسيا، من قتل القيادات العسكرية الأوكرانية إلى استهداف المقرّات السياسية في كييف، وصولاً إلى حق روسيا بإغتيال الرئيس الأوكراني ردّاً على هجوم الكرملين.

والأهم بالنسبة إلى بوتين هو تحفيز عناصر الجيش الروسي لمواصلة القتال، بما لشخص بوتين أهمية معنوية عند الجيش الذي أصبح مرهقاً جسدياً ومعنوياً، خصوصاً أن الجيش الأوكراني يستعدّ للهجوم المضاد والحرب النفسية التي يقوم بها إعلاميّاً عند إعلان وصول تعزيزات عسكرية من دول الغرب والعتاد أصبح جاهزاً للهجوم المضاد، تؤثر معنويّاً وستنعكس سلباً على الأداء العسكري الروسي في الميدان.