لا يمكن إعتبار سقوط أربع مقاتلات روسية في بريانسك الروسية شمالي أوكرانيا، إلاّ نكسة لسلاح الجو الروسي المتفوّق على نظيره الأوكراني، وفي الوقت نفسه، يعتبر تقدّماً نوعيّاً في مجال الدفاع الجوّي الأوكراني الذي يصدّ هذا التفوّق من خلال دمج جهود الإستعلام التكتي لمعرفة مكان إقلاع المقاتلات الروسية والخطوط التي تسلكها وتمركز أنظمة الدفاع الجوّي البعيدة المدى على الحدود، لإعتراض الصواريخ والطائرات المقاتلة قبل إقترابها من الأراضي الأوكرانية.
منذ إثبات الجيش الأوكراني براعته في الدفاع عن مجاله الجوّي، خصوصاً بعد حصوله على أنظمة الدفاع الجوّي المتطوّرة من الغرب، إعتمدت روسيا على إطلاق الصواريخ الموجّهة البعيدة المدى من داخل الأراضي الروسية والأراضي الأوكرانية المحتلّة في إتجاه أوكرانيا وإرسال مسيّرات هجومية إنتحارية مثل «شاهد 136/131»، وذلك خوفاً من خسارة المزيد من الطائرات المقاتلة والطيّارين من الأسطول الجوّي الروسي.
كان من المفترض أن تشنّ المقاتلتان من طرازي «سوخوي- 34 و»سوخوي - 35» هجوماً صاروخيّاً وبالقنابل على أهداف في منطقة تشيرنيهيف في أوكرانيا بمرافقة مروحيتين من طراز «مي-8» للدعم، إلى جانب مهام أخرى بينها إنقاذ أفراد أطقم المقاتلتين في حال تم إسقاطهما، ليتم إسقاط جميع الطائرات في وقت واحد في بريانسك الروسية التي تبعد حوالى 50 كلم عن الحدود الأوكرانية، ما يؤكد أن أنظمة الدفاع الجوّي الأوكرانية تمكّنت من إسقاطها قبل وصولها فوق الأراضي الأوكرانية.
لذلك تعتمد أوكرانيا في هذه الفترة على توسيع مجال الحماية الجوية ليشمل الصواريخ والمقاتلات والمسيّرات المتجهة نحوها من الأراضي الروسية. ولا يمكن إخفاء دور المخابرات الأوكرانية التي تزوّد صانع القرار العسكري بالمعلومات الدقيقة عن المهمات الروسية ومكان تواجد المقاتلات والخطوط الجوية المتّبعة، والإستفادة من هذه المعلومات لنشر أنظمة الدفاع الجوي في مناطق محدّدة، كون الحدود الروسية - الأوكرانية طويلة جدّاً ولا تملك أوكرانيا عدداً كبيراً من الأنظمة والرادارات لتغطي كامل الحدود.
لدى أوكرانيا أنظمة دفاع جوي بعيدة المدى مثل نظام «باتريوت باك-2» الأميركية الذي يصل نطاق راداراته إلى أكثر من 150 كيلومتراً، وهو الأكثر إحتمالاً نشره في محيط المدن الإستراتيجية مثل كييف وعلى الحدود الأوكرانية - الروسية لإعتراض الصواريخ الباليستية والطائرات المقاتلة والمسيّرات المتجهة من الداخل الروسي في إتجاه أوكرانيا. وبالتالي تقطع الطريق أمام الهجمات الجوية الروسية، ما يمكن أن يؤثر سلباً على القوات الروسية البرية، التي هي بحاجة للدعم الناري الجوي والمدفعي للدفاع عن الأراضي المحتلّة أو متابعة الهجوم.
لذلك تُحاول روسيا ضرب وتدمير بطاريات أنظمة الدفاع الجوي، فقد حاولت استهداف بطارية «باتريوت» الأسبوع الماضي بصاروخ فرط صوتي من طراز «كينجال» (الخنجر)، الذي تتباهى روسيا بقدرته على الإفلات من صواريخ الدفاعات الجوية الغربية، إلّا أن المحاولة فشلت واستطاعت البطارية نفسها إسقاط الصاروخ.
أمّا في حال تمكّن الروس من إختراق المجال الجوّي الأوكراني، تكون لها بالمرصاد أنظمة الدفاع الجوي الأوكرانية متوسطة وقصيرة المدى، التي تنشرها في محيط المدن والقواعد العسكرية والنقاط الحسّاسة، مثل «ناسماز» و»آيريس-تي» الألمانية، التي تصدّت مؤخراً لهجمة من 51 صاروخاً روسياً وطائرات مسيّرة انتحارية إيرانية الصنع من طراز «شاهد»، واعترضت 51 منها، أي حققت نسبة فاعلية تبلغ 100 في المئة، بالإضافة إلى أنظمة قصيرة المدى وقديمة منذ حقبة الإتحاد السوفياتي التي تتمكّن روسيا من الإفلات منها.
لا يمكن للدفاع الجوي وحده حماية الأراضي الأوكرانية إذا ما كان هناك تكامل بين جميع الأجهزة الإستخباراتية والبرية والمدفعية، وهذا ما تعمل أوكرانيا على تعزيزه من خلال طلب المساعدات من الغرب، منها صواريخ «كروز» بعيدة المدى من طراز «ستورم شادو» التي قدّمتها بريطانيا والتي يبلغ مداها الأقصى 250 كلم، لتشمل الأراضي الروسية ضمن نطاقها الفعّال، بالإضافة إلى عمل المخابرات الدقيق من خلال الأقمار الإصطناعية لمعرفة التحركات الروسية قبل وصولها إلى الأراضي الأوكرانية.
مع تعاظم قدرة الدفاع الجوّي الأوكراني وفشل قوات «فاغنر» من إحتلال باخموت بعد 9 أشهر من بدء الهجوم، وعدم تمكن الجيش الروسي من التقدّم أكثر، أصبح من الواضح أنّ روسيا ستكون في وضع المدافع عن الأراضي التي إحتلّتها بمواجهة الجيش الأوكراني الذي ينوي شنّ هجوم مضاد، ويحصل على الدعم الغربي المتزايد، لكن لا يمكن إعتبار الجيش الأوكراني بوضع المهاجم، كون معظم الأسلحة المقدمة هي من فئة الأسلحة الدفاعية لا الهجومية، وربما تأخير الهجوم المضاد سببه إنتظار الأسلحة الهجومية مثل مقاتلات «أف-16» وغيرها من المقاتلات الهجومية التي يحتاج الطيارون الأوكرانيون لوقت طويل نسبيّاً للتدرّب عليها.