وجدت المحكمة العسكرية المسوغات القانونية لكفّ التعقبات عن عامر الفاخوري، وبالتالي تركه حرّاً على الرغم من كل الإعتراضات، والمحكمة نفسها، بتركيبتها السياسية ـ الطائفية، ولو تغيرت أسماء هيئتها، نظرت بجريمة قتل الملازم الأول الطيّار سامر حنا فوق تلة سجد في آب 2008 يومها سلّم "حزبُ الله" المتهم الوحيد بإطلاق النار على طوافة الضابط حنا، مصطفى مقدم. مَثَلَ الـ "مقدّم" أمام المحكمة الموقرة طوعاً وأدلى بإفادات متناقضة في جلسة استغرقت 15 دقيقة فقط ثم أخلي سبيله بعد أشهر بكفالة. لجأت المحكمة يومها إلى مسوغات قانونية إذ رأت أن الجرم الذي نُسب إلى مقدّم ليس قتلاً بل تسبب بالقتل وصُنّف جنحة، المفارقة الأولى أن قاتل حنا قُتل في سوريا العام 2014 فنجحت عدالة السماء حيث فشلت عدالة المحكمة المغضوب عليها دائماً، والمفارقة الثانية أن النائب السابق بطرس حرب الذي تولى قضية الملازم الشهيد تعرّض هو نفسه لمحاولة اغتيال وقد رفض "حزب الله" تسليم المتهم المؤكد فيها محمود حايك الذي صدر في حقه قرار ظني العام 2012، والمفارقة الثالثة أن الحايك قُتل أيضاً في حرب سوريا، كما مصطفى بدر الدين احد المتهمين الخمسة باغتيال الرئيس رفيق الحريري.
فإذا كانت عدالة السماء تغطي عجز محاكم الأرض في لبنان فستنال قريباً من عامر الفاخوري ولو أبعد إلى مجاهل نيفادا، كما ستنال من جلّادي كل سجن وكل زنزانة وكل فرع تحقيق تسببوا بتعذيب أي لبناني واستشهاده في كل مكان وزمان، وستنال من القتلة القديسين بطبيعة الحال!
قيل الكثير عن صفقة ما وراء إطلاق الفاخوري، وأوّل من أشارت إليها مجلة "دير شبيغل" في كانون الأول الماضي حيث أشارت إلى مقايضة قاسم تاج الدين المسجون في الولايات المتحدة بعامر الفاخوري وتقاطعت معلومات المجلة الألمانية مع نبوءة للوزير السابق وئام وهاب في الإطار نفسه في الشهر نفسه...
وفي العودة إلى المحكمة العسكرية ـ السياسية، يتبين أنها الأكثر عرضة لتأثيرات "حزب الله" وقوى حليفة، وما حصل في قضية المقدم سوزان الحاج نموذج فاقع لتصفية الحسابات السياسية. الجميع يتدخل في عمل القضاء العسكري والمدني ما عدا رئيس الجمهورية ومستشاره وزير العدل السابق سليم جريصاتي، الذي نفى حصول أي تدخل في ملف عامر الفاخوري، مؤكداً لمحطة الجديد "أن الرئيس ميشال عون لم يكن على علم مسبق بقرار المحكمة العسكرية، ومشدداً على أنه لم يحصل أي تدخل من قبل عون".
يا لسذاجتنا كيف نصدّق مثل تلك الإشاعات عن تدخلات رئاسية و"حزبية" و "باسيلية" في عمل القضاء! يبدو أننا نعيش دائماً على تماس بين الجد والهزل.