إذا أردنا تصديق الوثائق المسرّبة من البنتاغون، وهي حقيقية على الأرجح، تحتاج الولايات إلى خطة احتياطية للتعامل مع أوكرانيا. نرغب جميعاً في أن تتحرر الأراضي الأوكرانية في أسرع وقت، لكن من المستبعد أن تُحقق القوات الأوكرانية، التي تفتقر إلى المعدات والتدريبات وتستعد راهناً لإطلاق هجوم في الربيع، أي مكاسب واسعة النطاق ضد الدفاعات الروسية. ولن تتحقق على الأرجح وعود الإدارة الأميركية الجريئة بحصول انتصار أوكراني في نهاية المطاف، وستواجه أوكرانيا خسائر متزايدة في هذه المرحلة. كل ما تحتاج إليه أوكرانيا هو السلام، بدل خوض حرب استنزاف مطوّلة ضد خصمٍ أكثر اكتظاظاً بالسكان حيث لا يهتم رئيس البلد بحجم الخسائر البشرية المسجّلة في ظل الاضطرابات المتواصلة.
يدرك كبار المسؤولين في إدارة جو بايدن هذه الحقيقة القاسية على الأرجح، بغض النظر عن طبيعة مواقفهم العلنية. تبقى جميع الاحتمالات واردة في زمن الحرب، لكن لا يتوقع هؤلاء المسؤولون أن تُحقق أوكرانيا إنجازاً حاسماً أو أن ينهار الجيش الروسي بكل بساطة، بل إنهم يأملون في أن تقدّم القوات المسلحة الأوكرانية أداءً جيداً بما يكفي لإقناع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالموافقة على وقف إطلاق النار وصولاً إلى التفاوض على اتفاق سلام شامل في نهاية المطاف. لكن إذا تعثّر الهجوم الأوكراني، لن يسارع بوتين إلى طاولة المفاوضات. سيكون إنهاء الحرب مفيداً لروسيا أيضاً، ومع ذلك من المستبعد أن يقرر بوتين وقف القتال قبل تحقيق هدفه الأساسي من الحرب، أي تحييد أوكرانيا استراتيجياً.
كيف يمكن التعامل مع هذا الوضع إذاً؟ منذ بداية الحرب الروسية، كان المراقبون الخارجيون يأملون في أن تستعمل الصين نفوذها وضغوطها لإقناع موسكو بعقد اتفاق معيّن وإنهاء القتال. لكن لم تتحقق تلك الآمال حتى الآن لأن الصين استفادت من الحرب بكل وضوح. جاءت العقوبات الغربية لتزيد اتكال روسيا على الصين، وتمنح بكين إمدادات النفط والغاز بأسعار مُخفّضة، وتمنع الولايات المتحدة من زيادة تركيزها على منطقة آسيا. لكنّ السماح باستمرار الحرب إلى أجل غير مُسمّى يطرح المشاكل على بكين أيضاً. تتوق الصين إلى إصلاح علاقتها مع أوروبا، وتجديد تدفق الاستثمارات والعمليات التجارية والتكنولوجيا المتقدمة بلا عوائق، وتوسيع الشرخ بين أوروبا والولايات المتحدة مع مرور الوقت. حاول قادة الصين طرح أنفسهم كطرف غير معني بالصراع، لكنّ التمسك بصداقة روسيا رغم مهاجمتها لأوكرانيا يُضعِف كل واحد من هذه الأهداف.
من المبرر إذاً أن يرغب قادة الصين في انتهاء الحرب عاجلاً وليس آجلاً. حتى أنهم قد يبدون استعدادهم لاستعمال نفوذهم لتحقيق هذه الغاية حين تصبح الظروف مناسبة. هذا الاحتمال وحده يُفترض أن يقلق صانعي السياسة الأميركية: ماذا لو ارتكزت بكين على جهود الوساطة الناجحة التي بذلتها بين إيران والمملكة العربية السعودية لطرح نفسها كوسيطة سلام في أوكرانيا أيضاً؟ إذا نجحت بكين في تحقيق هذا الهدف، وهو احتمال غير مؤكد، من المنطقي أن تكثّف جهودها لتصوير الولايات المتحدة كقوة متراجعة تجيد نشر الفتنة والصراعات بدل تعزيز التعاون بين مختلف الأفرقاء، كما أنها ستُلمّع صورة الصين باعتبارها قوة صاعدة تُكرّس نفسها لنشر السلام والوئام.
بما أن بكين وواشنطن ستستفيدان معاً من إنهاء الحرب، يقضي اقتراح جامح آخر بأن تدعو إدارة بايدن الصين للانضمام إلى جهود مشتركة تهدف إلى جلب طرفَي الصراع إلى طاولة المفاوضات. عملياً، تستطيع الولايات المتحدة أن تعرض استعمال نفوذها لإقناع كييف، بينما توافق بكين على استعمال تأثيرها لإقناع موسكو. إذا نجحت هذه المساعي المشتركة، ستحصد الدولتان معاً الإشادة على جهودهما، ولن يزعم أي طرف منهما أنه تفوّق على الطرف الآخر.
قد يبدو هذا الاقتراح بعيد المنال، لكن سبق وحصل هذا الشكل من التعاون بين القوى العظمى في مناسبات تاريخية متعددة. في ذروة الحرب الباردة مثلاً، دعمت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي قرارات مجلس الأمن التي أنهت حرب الأيام الستة في العام 1967، وتلك التي فرضت وقف إطلاق النار خلال حرب أكتوبر في العام 1973. كانت الظروف مشابهة للوضع الراهن بدرجة معينة، فقد أرادت هاتان الدولتان الكبيرتان حينها أن يتوقف القتال واضطرت كل واحدة منهما للضغط على عملائها ودفعهم إلى الموافقة على التسوية. في هذا السياق، يذكر المحلل السياسي غالين جاكسون في كتابه الجديد والمدهش، The Lost Peace (السلام المفقود)، أن القادة السوفيات حاولوا مراراً إقناع واشنطن بعقد مؤتمر سلام شامل حول الشرق الأوسط حيث يضطلع كل طرف منهما بأدوار متساوية. لكن تعثرت هذه الجهود بسبب معارضة الولايات المتحدة.
على صعيد آخر، سيكون أي اتفاق يحصل بوساطة مشتركة بين الولايات المتحدة والصين أكثر قابلية للصمود، لأن موسكو وكييف لن تتراجعا على الأرجح عن اتفاقٍ حصل بترتيب من أهم داعميهما. إذا أرادت الصين والولايات المتحدة إقرار تسوية سلام في أوكرانيا إذاً، تتعدد الأسباب التي تنذر بنجاح هذه الجهود.
لكن لا يعني ذلك أن هذه المهمّة ستكون بسيطة. من الأسهل على الأرجح أن يتّفق المعنيون على وقف إطلاق النار، لكن ستتابع روسيا في هذه الحالة السيطرة على معظم الأراضي التي أعلنت ضمّها إليها، ما قد يطلق صراعاً مجمّداً وغير مستقر. تتطلب أي معاهدة سلام حقيقية الاتفاق على مجموعة من المسائل الشائكة (مثل رسم الحدود، ونقل مساعدات إعادة الإعمار، وإعادة السجناء إلى بلدانهم الأصلية، ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب، وتقديم ضمانات أمنية، وتحديد ترتيبات العبور عبر البحر الأسود وبحر آزوف...)، لكن لن تكون معالجة أي مسألة منها بسيطة. ستضطر إدارة بايدن للتراجع عن مواقف الانتصار السابقة، ولا شك في أن هذه الجهود ستطلق سلسلة انتقادات لاذعة من حلفاء الناتو الأكثر دعماً لاستعمال القوة، لا سيما في أوروبا الشرقية. حتى أن بعض الأوكرانيين، أو معظمهم، قد يرفضون هذا التوجه.
كذلك، قد يتردد المسؤولون الأميركيون في منح بكين مكانة مساوية لهم في هذه المبادرة، ومن الطبيعي أن يقلقوا من تجدّد تواصل بكين مع أوروبا عبر منحها فرصة المشاركة في إنهاء الحرب، ما يؤدي إلى إضعاف الجهود التي بدأت منذ وقتٍ طويل لتوحيد ديمقراطيات العالم ضد بكين. لكن تواجه الصين بدورها مجموعة من المخاطر الواضحة: إذا انتهت الحرب في أوكرانيا، ستتحرر الولايات المتحدة من أعباء ذلك الصراع وتتفرّغ للتركيز على آسيا، وهو آخر ما يريده الرئيس الصيني شي جين بينغ على الأرجح.
لكن لا يمكن الدفاع عن دعم استمرار الحرب، أو الامتناع عن بذل جهود جدّية لإنهائها، أمام بقية دول العالم. لهذا السبب، يجب أن تتعامل إدارة بايدن مع هذه الفكرة بجدّية. في الحد الأدنى، ستضطر بكين لتسريع تحركاتها إذا طُلِب منها التعاون لإقرار تسوية سلام مشتركة: بدل الاكتفاء بطرح «اقتراحات سلام» غير نافعة لا يأخذها أحد على محمل الجدّ، ستضطر بكين للتحرك أو التزام الصمت حين تعرض عليها الولايات المتحدة المشاركة في مبادرة سلام مشتركة. إذا رفضت الصين أي اقتراح أميركي صادق من هذا النوع، سيتبيّن للجميع أن التزامها المزعوم بالسلام فارغ المضمون. لهذا السبب وحده، قد تتعامل بكين مع الموضوع بجدّية وتوافق على تقديم المساعدة. وإذا نجحت هذه المبادرة في نهاية المطاف، سيتذكر الجميع منافع التعاون بين القوى العظمى.
في النهاية، لا يمكنني التأكيد على نجاح هذه المبادرة، حتى أنني لا أعتبر الظروف مؤاتية لإطلاقها حتى الآن بكل صراحة، إذ يتطلب هذا النوع من الاقتراحات أداءً مبتكراً يفتقر إليه الدبلوماسيون الأميركيون في السنوات الأخيرة. لكن تبدو أبرز الخيارات البديلة أسوأ بعد، وتبقى كلفة المحاولة والفشل ضئيلة. وإذا لم تحبذ إدارة بايدن هذه الفكرة، يُفترض أن تطرح مقاربة أفضل منها. لكن ما ستكون طبيعة تلك المبادرة؟