سيلفانا أبي رميا

نزيه نبيه باز: للعباءات عشاقها وسأنقل "حرفة النول" إلى عائلتي

4 دقائق للقراءة
أميمة الخليل في متحف باز
لا تزال الحياة تنبعث من آلة النول اليدوي الوحيدة المتبقية في لبنان والقابعة في أحضان بلدة بعذران الشوفية. ولا يزال نزيه باز الذي ورث هذه الحرفة عن آبائه وأجداده ينسج حكايا التاريخ والتراث ويرسمها في عباءات ملوكية بخيوط ذهبية لتزيّن أجساد كبار الوطن العربي. وكمكوك الحياكة الذي لا يهدأ ينكبّ باز على الحياكة في خيوط أمل لا تنقطع، هو الذي بات حلمه الوحيد الحفاظ على هذه الحرفة ونقلها للأجيال المقبلة مهما كلّف الأمر. وفي حديث مع «نداء الوطن» كشف أسرار هذا النول النادر والمصنوع بيدَي جدّه وكيف يعمل يومياً على تفاصيل قد تحول دون اختفاء حقبة كاملة من تراث بلدنا.

كيف وصل النول إلى لبنان؟

تعود هذه الحرفة إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد، ووصلت على يد جدي (والد والدي) الشيخ ريضان أحمد باز العام 1910 من ريف جرمانا في سوريا إلى جبل لبنان.

بدوري، وبفخر واعتزاز، ورثت منه هذه الحرفة التي أعطاها من عمره قرناً ونيّف.

ماذا عن النول الذي تملكه؟

النول اليدوي الذي لا أزال أحتفظ به حتى اليوم يتجاوز عمره الأربعة قرون، هو كولد من أولادي، ترعرعت بين مقاطعه وسرت بين أحضانه وأصفه بعملاق تاريخ الحياكة.

نولي الخاص هذا صنعه جدي ريضان بيديه. أهتم به وأحافظ عليه حتى اليوم ليبقى بحالة ممتازة، فلا أحد غيري يقوم بالحياكة عليه. كما وأتولّى بمفردي كل عمليات الصيانة ومتطلبات التصليح الخاصة به.

هل من الصعب الحياكة على النول اليدوي؟

صعبة جداً ما لم يتعلمها الشخص بشغف وتأنٍّ. فهي بالنسبة الي إنسجام تام مع ذاتي ومع تاريخ أجدادي. النول آلة موسيقية لا يعرف سحرها الخاص إلا من يتقن نسج خيوطها، وأشعر بسعادة لا توصف عندما أسمع «رنة» الخشب على الخشب و»رنة» القصب على القماش.

حياكة النول الدقيقة سحرتني منذ نعومة أظافري، لطالما راقبت جدي وأبي يحيكان من خيوطه عباءات رائعة. وأذكر جيداً أنه كانت هناك ثلاثة أنوال مشهورة في لبنان، واحد للراحل أنطون سعادة من ذوق مكايل، وآخر لشيخ من آل فياض في بلدة بشتفين ونولنا في بعذران.

ما الخيوط المستخدمة وماذا تحيك؟

أستخدم في الحياكة خيوطاً كثيرة أهمها الصوف والقطن والكتان والحرير، أما النقش فهو من القصب الفضي أو الذهبي. ونواجه اليوم صعوبات كبيرة في العثور على هذه المواد التي بدأت تختفي نوعاً ما.

كنا نستخدم ورق الجوز والرمان وورق البصل الأحمر ونبات السماق في عملية الصبغ، فأنا لا أحبذ الأصباغ الكيميائية. لكن اليوم وللأسف لم يعد هناك خيط حرير لصباغته ولم يعد هناك صوف غنم حتى.

نحيك على النول في الدرجة الأولى العباءات المقصّبة أو ما يُطلق عليها اسم «عباءات الملوك»، بالإضافة إلى تفصيل المقاعد العربية الشرقية وفجّات للأرض.

كيف شجع النول عالم السياحة في بلدتك؟

النول متوفر ومعروض أمام السياح والزوار في مقرنا للضيافة Baz Guesthouse، ولعل أجمل ما نصادفه بشكل يومي هو عدد الإقبال الكبير لأشخاص محليين وأجانب متعطشين لملامسة حفنة من تاريخ وتراث لبنان، وفي كل مرة تنجح هذه الحرفة في إثارة دهشة الزوار الذين يقعون في غرام تفاصيله وجمال عباءاته. كما أحرص على تزويد كل من يزورنا بباقة من المعلومات القيمة عن تاريخه ونشأته وأسراره.





كيف حركة الطلب وأسعار العباءات اليوم؟


بالرغم من أسعارها الباهظة، لهذه العباءات الذهبية عشاقها والطلب عليها لم يتغير ولا سيما من قبل رجال أعمال ورؤساء دول عربية.

تختلف أسعار هذه الصناعات المميزة بحسب الطلب ونوعية الخيوط والسنابل المقصبة والنقشات التي ستوضع عليها، فتتراوح بين الـ1500 والـ3000 دولار أميركي.

ويعود السعر الباهظ للشغل الكثيف والدقيق الذي تتطلبه كل عباءة والذي يطول لأكثر من شهرين متواصلين من العمل الشاق والمضني. فمثلاً العباءة التي حازت على الجائزة الأولى في «مهرجان البساط» في الأردن عام 1997 من الملكة نور كانت مصنوعة من الحرير البلدي واستلزم إنهاؤها ستة أشهر متواصلة.



برناديت حديب بعباءة نُسجت على النول



هل تعمل على نقل هذه الحرفة لمن بعدك وكيف؟


أنا أحرص منذ سنوات على نقل هذه الحرفة وتعليمها لأفراد عائلتي وخصوصاً أولادي بهدف الحفاظ على بقائها حية ومنعها من الاندثار كحال كثير من الحرف اللبنانية العريقة التي سبقتها.

كل شيء في هذه الحياة إلى زوال إلا أن سر الإستمرارية يكمن في أن تترك بذور الماضي الأصيل في أيدي من تثق بهم من بعدك.

ناضلت كثيراً وما زلت لإبقاء النول شامخاً في أرض لبنان وبين يوميات وذاكرة أهاليه. لا شيء يقضي على هذه الحرفة المقدسة طالما هي موجودة ومحروسة بأيادي من يعشقونها على الرغم من الغياب التام لأي دعم من الدولة والمعنيين.