سيلفانا أبي رميا

رامز النبتي: أنهي تفاصيل عودي الأخير وأسلّم الدفّة لابني سليم

6 دقائق للقراءة

هو ابن بلدة بشمزّين في قضاء الكورة، لامس التسعين من العمر وأمضى سبعين منها في صناعة آلات العود النادرة بمواصفات تنافس العالمية لا بل تتفوق عليها. رامز النبتي الذي طبع ذاكرة الشمال ولبنان بآلاته الفريدة، نال وسام تكريم أخيراً من الدولة اللبنانية، ويعمل اليوم على إنهاء عوده الاخير ليودّع هذه الحرفة الأحب إلى قلبه، وينقلها إلى ابنه سليم رافضاً أن تغادر آلاته تاريخ وذكريات الكورة. وفي لقاء مع «نداء الوطن» أخذنا النبتي (91 عاماً)، الذي عجز العمر الطويل عن إخماد عشقه للعود وتفاصيله وألحانه، في مشوار إلى ماضيه العريق وقصصه الطويلة مع هذه الآلة الدقيقة.



كيف دخلت عالم صناعة وعزف العود؟

منذ صغري، كنت أتمنى أن أمتلك عوداً مثل عود رفيقي إدمون بركات، لكثرة شغفي في العزف عليه. وذات مرة طلبت منه أن يعيرني عوده، فلبّى طلبي ساخراً من عدم تمكني من عزف أي مقطوعة موسيقية وعدم معرفتي أصلاً بقواعد وأصول العزف.

إلا أنني صممت على صنع عود رغم عدم درايتي بهذه الحرفة، وطلبت من بركات تعليمي السلم الموسيقي. كنت حينها متفوقاً في مدرستي وأرغب في تعلّم الهندسة، إلا أنني اضطررت إلى العمل في دكان والدي للسمانة، بعد المرحلة الثانوية، بسبب مرضه.

وبالرغم من كل ذلك، صمّمت وصنعت أولى آلات العود وهكذا انطلقت. وبعت في بلدتي بشمزين وحدها ما يزيد عن 20 عوداً، وبدأت شهرتي تتوسع في الكورة وزغرتا، ولا سيما في الستينيات والسبعينيات إذ كان العود بخمسة آلاف ليرة، وهو مبلغ ضخم نسبةً إلى تلك الفترة.

أنا اليوم أصنع وأعزف العود وأعطي دروساً فيه، وكل ذلك عالسمع فأنا لا أفهم لغة النوتات ولم أتعلّمها.







كيف تتم مراحل تصنيع العود؟

السرّ ليس في المراحل نفسها بل في طريقة التنفيذ.

نبدأ بتصنيع الطاسة، ثم الوجه، يليه الصدر والزند، وأخيراً المفاتيح. وطبعاً هناك المرحلة الأخيرة حيث نضع الطلاء ونعزل الآلة بمادة حافظة ضد التسوّس ليبقى جوهرة نادرة تعيش آلاف السنين.

أما عن طريقة التنفيذ وسر نجاح الآلة وتميّزها، فأنا أعمل في درجة حرارة ورطوبة معتدلتين، وأعطي الأولوية للهندسة والدقة في الصنع والتركيب. أحرص على الإهتمام بالتفاصيل الصغيرة والكبيرة، بالمنظر وبالصوت. وهذا كله يؤثر على نغمة الصوت ودفئه وتميّز القطعة.



رامز ينحت تفاصيل العود



ما الذي يميز العود الذي تصنعه؟

لن أتردد بالجزم بأن العود الذي أصنعه أهم من كل الأعواد في العالم. فالعود الذي صنعته العام 1973 ما زال صالحاً للعزف اليوم. وأراهن على أن آلات العود التي تولد من تحت يدي تعطي أجمل الأصوات والألحان.

صوت عود رامز فيه من الحنان والسلاسة ما يفتقده أي عود آخر. فبين أوتاره ومفاتيحه، لا هدرة تُسمع ولا صوت ينطلق إلا وكان صافياً نقياً. وهو ما يلاحظه كل من يزورني ويعزف على آلاتي فيشتري إحداها.




مكرّماً من وزير الثقافة


مع ابنه سليم وآلاته



ما الخشب والأوتار التي تستخدمها؟

أستخدم الخشب الذي أراه يناسب الآلة المطلوبة، أكثرها خشب الموغانو والجوز. كما وخشب الشوح لصناعة وجه العود، الجوز مع الزين أو الجوز مع الموغانو للطاسة لأعطيها مزيجاً بين اللون الخشبي الفاتح والقاتم.

ألجأ إلى الأوتار ذات الجودة العالية كتلك المصنعة في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وأميركا، وأخيراً بتّ أستعين بالوتر الياباني لجودته المميزة.

أخبرنا عن أول آلة عود صنعتها.

أول آلة عود لم تكن على المستوى المطلوب وكما تمنيتها، لطالما حلمت أن أتمكن من تصنيع عود يشبه «عود النحات» الذي كان معروفاً آنذاك في بشمزين ولكني فشلت.

لكن مع الممارسة وسنوات الإستكشاف تخطّت آلاتي المستوى الذي حلمت به وما زالت حتى اليوم تتطوّر ولا أزال أندهش بما يخرج من بين يديّ بعد عمل مضنٍ ودؤوب.

أنا أحترف تصنيع العود منذ 70 سنة، ولم أشبع حتى اليوم من أن أتفنن بهندستها وألوانها ودوزنة ألحانها. منذ سنوات أقول لنفسي «خلص هذا آخر عود»، ثم تجدني في محترفي منكباً على نحت آلة جديدة.

لكني اليوم اتخذت القرار بأن العود الذي سأنهيه في الفترة القادمة سيكون مسك الختام لمشواري في هذا المجال. وقد قمت بتلقين ابني سليم أسرارها وسلّحته بما يلزم كي يكمل المشوار من بعدي.



ماذا يعني العود بالنسبة لك؟

العود هوايتي وحرفتي. هو عشقي وملاذي والمكان الذي أستمتع فيه.

كل ما أنتجته منذ سبعينات القرن الماضي مهم ونادر، ما زلت أحتفظ بالبعض من هذه الآلات ويعتقد من يراها أنها صُنّعت اليوم نظراً لنظافتها وشكلها وصوتها الذي حافظ على جماليته كل هذه السنين.

لكن ما ميّز أيضاً إنتاجاتي هي آلات العود التي صنّعتها وهندستها على شكل غيتار، أي بظهر مسطّح. أخذت صدى رائعاً وأحبها كثيرون وكان الطلب عليها كبيراً.

لمن يصنّع رامز آلاته؟

أنا أصنّع العود لأنني أعشقه وليس لغرض تجاري. هذه هوايتي التي أعشقها.

أنحت آلاتي لمن يفهمها، لمن يحبها ويعرف العزف عليها. للفن والفنانين، ولكل من يحلم باقتناء آلة عود نادرة لا مثيل لها عالمياً.

هل تعاملت مع فنانين وملحنين؟

الراحل وديع الصافي وابنه جورج كانا من أوائل الأشخاص الذين زاروني في بشمزين في أوائل الستينات، وأهديته يومها آلة عود وقع نظره عليها وأُعجب بتفاصيلها.

أتذكر أيضاً الراحل الكبير زكي ناصيف الذي كنت أقوم بتصليح وتعديل آلة العود خاصته. كذلك، أستاذ جامعة «البلمند» أسامة الجدايل كان يشتري آلاتي ليقوموا بدراسة أصواتها وتركيباتها في الجامعة ووصفوها بصاحبة الصوت النادر.

ماذا عن أسعار العود والطلب عليه؟

آلة العود عندي كانت ولا تزال تُباع بحوالى الـ1500 دولار أميركي. كان الطلب كثيف والإنتاج أكبر، أما اليوم فقد تراجع كثيراً ما دفعني إلى تقليص الإنتاج. مرّت علي فترات انقطعت فيها عن التصنيع نهائياً لسنتين بسبب شح الطلب والوضع الصعب.

هل لا يزال هناك من يصنّع آلة العود في لبنان؟

باتوا قلة قليلة وكنزاً نادراً، فالصناعة بحد ذاتها ليست سهــــلـــة، عدا عن صعوبة الإستمرار في الأزمـــة الراهنة والغلاء المضني.

هل يهدد العود المستورَد ذلك المصنوع في لبنان؟

أنا بكامل وعيي ومن كل قلبي وإيماني أقول، إنه ما من عود في العالم يمكنه منافسة عود رامز النبتي. ومن يشك في قولي فليزرني مع خيرة العازفين والمهندسين، فأنا على يقين أنهم سيُجمعون على ألا مثيل لآلاتي.

لا أقول هذا من باب التعجرف بل من ثقتي بقدراتي وبما حفرته وخلقته يداي طوال هذا العمر.