رواد مسلم

تفجير سدّ كاخوفكا: ما مصلحة المنفّذ؟

4 دقائق للقراءة
سدّ كاخوفكا كما بدا بعد تفجيره (بلانيت)

إتخذت الحرب الروسية - الأوكرانية خلال الساعات الماضية منحى جديداً مع دخول «السدود» الاستراتيجية إلى المعادلة العسكرية تزامناً مع تضارب المعطيات من موسكو وكييف حول مسار المعارك على خطوط التماس. فيأتي تفجير سد نوفا كاخوفكا الضخم صبيحة السادس من حزيران في مرحلة من المواجهات المتصاعدة بين الطرفين، ومؤشرات واضحة عن إقتراب الهجوم الأوكراني المضاد لاستعادة الأراضي المحتلّة، ومع نفي الطرفين مسؤوليته عن التفجير، يبقى السؤال عن ماهية مصلحة منفّذ الهجوم على السدّ، خصوصاً أن الضرر سيلحق بالطرفين الروسي المتمركز على الضفة الشرقية من نهر دنيبرو، والأوكراني المتمركز غرباً.

يُعدّ سد كاخوفكا الكهرمائي الذي أُقيم على نهر دنيبرو عام 1956 خلال الحقبة السوفياتية، من أكبر البنى التحتية من نوعها في أوكرانيا ويحتوي خزان السد على ما يقدّر بنحو 18 مليار متر مكعب من المياه على مساحة 2155 كلم مربّع ويمتدّ حتّى زابوريجيا، ويؤدي تفجيره إلى إغراق القرى والمناطق المحيطة، بما في ذلك خيرسون، التي استعادت القوات الأوكرانية السيطرة عليها في أواخر عام 2022. ويوفر هذا السد، الذي سيطرت روسيا عليه في بداية هجومها على أوكرانيا، المياه لجزء كبير من جنوب أوكرانيا وشبه جزيرة القرم التي ضمّتها روسيا في عام 2014، كما يُنظّم مياه النهر ويخلق بحيرة صناعية لري المنطقة وللحفاظ على درجة حرارة مفاعلات محطة زابوريجيا للطاقة النووية التي تبعد نحو 150 كلم عن السدّ.

عسكريّاً، لإعاقة تقدّم جيش العدو، على الوحدات المدافعة إقامة حواجز هندسية إصطناعية أو تقوية الحواجز الطبيعية على محاور تقدّم العدو الأكثر إحتمالاً، لإعاقة الهجوم البرّي أو إبطائه وضربه بالنيران المدفعية أو النيران المباشرة لتدميره أو إرغامه على التراجع. محاور تقدّم الجيش الأوكراني الأكثر إحتمالاً، حيث تقدُّم المدرّعات والآليات المدولبة الثقيلة يُعتبر ممكناً دون مواجهة عوائق طبيعية، هي من الجنوب حيث المناطق المفتوحة والتضاريس القليلة، أي في خيرسون وزابوريجيا والاتجاه شرقاً، ويعتبر نهر دنيبرو الحاجز الطبيعي الوحيد الذي يُمكن عبوره من خلال مسالك معبّدة عدّة وعبّارات، وبمجرّد عبوره سيواجه الجيش الأوكراني الحواجز الهندسية الضخمة، التي أيضاً يُمكنه عبورها من خلال الأعمال الهندسية لإزالة الحواجز وإمتلاكه الآليات الغربية المتطوّرة للتعامل مع الحواجز المعقّدة.

في حالة الجيش الروسي المدافع عن الأراضي التي إحتلّها في أوكرانيا، فإنّ صور الأقمار الإصطناعية تُبيّن حجم التحصينات على كامل الجبهة من الشمال إلى الجنوب، بالإضافة إلى الحواجز الضخمة التي يُقيمها منذ إعلان أوكرانيا عن نيّتها الجدّية بإسترجاع الأراضي المحتلّة من خلال هجوم مضاد مع تحسّن الأحوال الجوّية، لتتمكّن المدرّعات من التقدّم دون صعوبات قد تواجهها في الأراضي الترابية الموحلة.

يُمكن أن يكون الضامن الوحيد لعدم إمكانية تقدّم المدرّعات الأوكرانية هو قصف الجيش الروسي لسدّ كاخوفكا، لإغراق الأراضي بعرض 5 كلم، ما يُعيق الهجوم الأوكراني المضاد، بسبب إرتفاع منسوب المياه في المناطق المجاورة لزابوريجيا وخيرسون، والتي تعتبر مسالك تقدّم محتملة تتّجه نحو شبه جزيرة القرم.

هذا الهجوم المضاد بات وشيكاً مع تصاعد حدّة ووتيرة الهجمات الأوكرانية على المناطق اللوجستية الروسية، وتشتيت القدرات العسكرية الروسية على جبهات متعدّدة، وإقامة جبهات عدّة يُمكن أن تكون خداعية كالهجوم المضاد الحالي في باخموت الذي يُحقّق مكاسب واعدة، بالإضافة إلى الدعم العسكري للمجموعات المسلّحة الروسية والمعارضة لنظام الكرملين بهدف إستهداف الداخل الروسي.

أمّا إحتمال أن يكون الجيش الأوكراني قد فجّر السدّ، كما يؤكد الطرف الروسي، فهذا العمل سيؤثر على سكّان خيرسون التي استرجعها الجيش الأوكراني في تشرين الثاني، وسيؤدي إلى كارثة بيئية، إضافةً إلى أن الفيضانات لن تخدم الهجوم المضاد المنتظر، والأهمّ أن الذخائر المتفجّرة التي يُمكنها تفجير هذا السدّ الضخم، لا تملكها أوكرانيا، أي الحشوات الصاروخية الغاطسة واللاصقة، وإذا تمّ تفجيره بطريقة التفخيخ، فإنّ الجيش الروسي يُسيطر على السدّ وعملية التفخيخ تحتاج إلى أعمال هندسية ضخمة لتُحدث الدمار.