رواد مسلم

هجوم زابوريجيا: "إستطلاع بالقوّة" لجسّ نبض الروس واستنزافهم

4 دقائق للقراءة
الجيش الأوكراني يُعيد تنظيم قوّاته وحشدها (أ ف ب)

يتجدّد اللّغط في انطلاق الهجوم الأوكراني المضاد لإستعادة الأراضي المحتلّة، بعد كلّ استهداف للمنشآت الإستراتيجية والمناطق الحسّاسة، وذلك منذ تحسّن الأحوال الجوّية.

فقد أعلن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو أنّ هذا الهجوم الأوكراني المضاد قد انطلق في جبهة زابوريجيا، بعد صدّ الجيش الروسي محاولة أوكرانية ضخمة لاختراق الدفاعات الروسية. وفي وقت سابق، نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن 3 مسؤولين أميركيين كبار قولهم إنّ الهجوم الأوكراني المضاد ينفّذ حاليّاً، فضلاً عن تضارب التصريحات الأوكرانية حول حقيقة إنطلاق الهجوم. فما هي المعايير الأساسية التي تؤكد عدم إنطلاق الهجوم من زابوريجيا؟

أوّلاً، حجم الهجوم. فقد تحدّث وزير الدفاع الروسي عن 1500 عنصر، و150 عربة قتال مشاة مصفّحة، وبالتالي يُقدّر حجم الهجوم في زابوريجيا بأقلّ من لواء مشاة مؤلل مدرّع أوكراني، في حين أن التجهيزات الأوكرانية والتدريبات والمناورات المشتركة، تؤكّد أن الهجوم المضاد سيكون بحجم 9 ألوية مشاة مؤللة مدرّع، أي 500 دبابة، 1000 مدفع، 900 عربة قتال مدرّعة.

ثانياً، إتجاه الهجوم. يُعدّ تفجير سدّ كاخوفكا الإستراتيجي في خيرسون الثلثاء عائقاً أمام الجيش الأوكراني لإطلاق الهجوم المضاد من الجبهة التي هي حسب التحليل العسكري، الأكثر إحتمالاً، أقلّه لمدّة شهر، أي بعد عودة المياه إلى مجاريها وجفاف التربة. لذلك، فإنّ زابوريجيا المجاورة لخيرسون هي ضمن المحور الرئيسي المتوقّع، لكن لن تستطيع القوات الأوكرانية من التقدّم شرقاً أو في اتجاه شبه جزيرة القرم جنوباً.

وإذا كان هدف كييف إحداث ثغرة في الدفاعات الروسية في زابوريجيا لتنتشر بعد إختراقها، فذلك سيؤدّي إلى محاصرة القوّة الأوكرانيّة في المناطق التي لم تشهد فيضانات، والإستفادة الروسية من عدم إنتشارها وتخفّيها وضربها بنيران المدفعية.

ثالثاً، المقاربة العسكرية للعملية. إنّ هذا الهجوم في زابوريجيا يُمكن إعتباره "إستطلاع بالقوّة" قبل الهجوم الكبير الذي يُمكن أن يكون الهجوم المضاد، وذلك لأهداف عدّة، منها لمعرفة ردّة فعل العدو الروسي، وبناء الخطط على أساس ردّة الفعل للإستفادة منها عند تنفيذ الهجوم الحقيقي، وأيضاً لإبقاء الجيش الروسي جاهزاً، حتّى لو أنّه على دراية أن الجهد الرئيسي المحتمل في خيرسون وزابوريجيا لن ينطلق بعد الفيضانات، وهذا يؤدّي إلى إستنزاف المعنويات الروسية.

ليس من المرجّح أن ينطلق الهجوم الأوكراني المضاد في وقت قريب، خصوصاً بعد تفجير سدّ كاخوفكا، فعلى الجيش الأوكراني إعادة تنظيم القوى وحشدها، وإعادة تقييم الموقف الإستراتيجي، وتحديد الأهداف، وتحديد الإتجاهات الجديدة المحتملة، وذلك لأنّ الجهد الرئيسي لا يُمكن أن يكون في خيرسون أو زابوريجيا.

إستفادت روسيا من تفجير سدّ كاخوفكا، فقد تحرّرت من تجميع قواها هناك، في وقت يسعى الجانب الأوكراني إلى تشتيت القدرات القتالية الروسية على جبهات عدّة، منها الداخل الروسي، مع تزايد الهجمات من المجموعات المسلّحة المعارضة للنظام الروسي، وما يفعله الجيش الأوكراني في مرحلة ما بعد إفشال الهجوم المضاد من جبهة خيرسون، هو إنذار الجيش الروسي من إمكانية الخرق في المناطق الجنوبية لعدم الإستفادة من تداعيات تفجير السدّ وتثبيت القدرات الروسية ريثما تعود الظروف إلى طبيعتها.

أمّا الحرب النفسية التي تشنّها أوكرانيا بقوّة منذ إندلاع المواجهات، فتتمثّل الآن بالتصريحات المتضاربة من المسؤولين الأوكرانيين، والتأكيدات من دول الغرب على أن الهجوم المضاد قد انطلق بالفعل، مؤكدةً أنها تُشارك أوكرانيا في جهود الحرب النفسية إلى جانب المساعدات العسكرية.