جاد حداد

The Days... كارثة نووية مختلفة عن تشيرنوبل

5 دقائق للقراءة

تخلو النسخة التي تقدّمها شبكة "نتفلكس" عن كارثة فوكوشيما النووية في العام 2011 من العمق بشكلٍ مخيّب للآمال. يُركّز مسلسل The Days (الأيام) على الوقائع لدرجة أن يهمل الشخصيات ومسار القصة.

يصعب انتقاد هذه النسخة الدرامية اللافتة من قصة الكارثة النووية الشهيرة وتداعياتها، إذ تستحق شجاعة العاملين الذين تواجدوا في محطة الطاقة خلال تلك اللحظات المريعة، ثم بقيوا هناك في الأسبوع اللاحق لتجنب كارثة أسوأ بعد، أعلى درجات الاحترام. لكن يبقى المسلسل أثقل من اللزوم من الناحية الدرامية لأن رغبة صانعي العمل في عدم تفويت أي تفصيل قد ترهق المشاهدين وتدفعهم إلى الانسحاب.

وقع واحد من أقوى الزلازل في التاريخ المكتوب تحت البحر، قبالة الساحل الشرقي لليابان، في 11 آذار 2011، فعطّل شبكات الكهرباء الأساسية في محطة "فوكوشيما دايتشي" النووية. وعندما أغرق تسونامي المحطة التي تقع فوق سطح البحر بعشرة أمتار فقط، تعطّلت مولّدات الديزل المخصصة للحالات الطارئة في ذلك الموقع. بعد انقطاع الكهرباء بالكامل في تلك المرحلة، أصبح تبريد مفاعلات المحطة مستحيلاً، ولم يكن تجنب الانهيار الكامل ممكناً إلا عبر تدريب مرتجل للحد من الأضرار قدر الإمكان.

كانت فوكوشيما أسوأ حادثة نووية منذ تشيرنوبل، ويُعتبر المسلسل القصير الذي تطرق إليها في العام 2019 أول محاولة درامية لنقل حادثة نووية واقعية منذ تلك الحقبة. نجح المسلسل في عرض أحداث محددة بطريقة مدهشة وأضاف إليها بُعداً درامياً عميقاً حين استكشف ثقافة الكذب والتستر على الحقائق التي طغت على الاتحاد السوفياتي الغابر، حتى أنه تطرّق إلى نزعة المؤسسات الهرمية في كل مكان إلى تدمير المبادئ الأخلاقية والتفكير المستقل لدى الأفراد العاملين فيها.

لكن تقف مزايا المسلسل الجديد عند هذا الحد للأسف. تتعدد المشاهد التي يظهر فيها كبار المدراء والسياسيين وهم يعطون تعليمات شائبة لأنهم يخشون التعامل مع ردود أفعال سياسية عنيفة بسبب قراراتهم أو تلطيخ صورتهم العامة، أو يبالغون في الانشغال بالبروتوكولات العادية، لكن تبقى هذه اللقطات قليلة ولا تعرض أي أحداث مفاجئة. حتى أن مشاهد طويلة تتذكر لحظات من كارثة تشيرنوبل، حين تطوّع الرجال لإتمام مهام أساسية مع أنهم كانوا يعرفون أن هذه الخطوة ستُعرّضهم لمستويات خطيرة من الأشعة.

بعد وصول التسونامي، تصطدم قوة البحر المدمّرة والخلابة بالهياكل الموجودة على اليابسة بطريقة مدهشة، وكأنها نسخة مصغّرة من أفلام الكوارث الضخمة التي تشمل رجالاً عالقين في قبو بدأ يمتلئ بالمياه سريعاً. في هذه اللحظات المرعبة، يضطر مدير المحطة "يوشيدا" (كوجي ياكوشو) لأداء مهمّة مخيفة. تحتاج مفاعلات عدة للتهوئة أو ضخ المياه أو الاثنين معاً. هو يتوصل مع أعضاء فريقه إلى خطة ذكية وسريعة لمنع حصول انفجار ضخم هناك، لكن تبدأ القياسات ببلوغ مستويات خطيرة.

يقدم ياكوشو أداءً ممتازاً بدور الرجل الذي يتحول تدريجاً من شخص هادئ وتفاؤلي يحرص على التحقق من كل شيء بأعلى درجات التفاني، إلى رجل غاضب ومتخبّط لا يكف عن ركل صناديق النفايات وتجاهل الأوامر المباشرة لأنه يعرف ما يجب فعله، ولم ينم منذ 80 ساعة، ولم يعد يملك الوقت الكافي لتقبّل سخافات الآخرين. هو عالق في كابوس يزداد سوءاً مع مرور الوقت، لكنّ طبيعة هذا الكابوس تقضي على جودة المسلسل من الناحية الدرامية، إذا تتكرر المشاكل على مر الحلقات وتزداد سوءاً في كل مرة.

تتمحور الحلقة الثانية حول صمامات تحتاج إلى من يفتحها باليد، في عمق مكان حالك، تزامناً مع تعرّض المبنى المليء بالأنقاض والأوحال للمزيد من الأشعة. يقول "يوشيدا" لمدير غرفة التحكم: "أرجو منك أن تختار أعضاء الفريق المخولين دخول القبو". يعرف كلاهما ضمناً أن هذا الكلام يعني اختيار الأشخاص المستعدين للموت. يبدو المشهد المرتبط بهذا الخيار مؤثراً جداً، لكن سرعان ما يتلاشى هذا الأثر بسبب التقلبات الحاصلة في السيناريو نفسه: تتكرر مشكلة مشابهة في الحلقة السابعة وفي جميع الحلقات السابقة واللاحقة. بعد مرحلة معينة، يصعب التعرّف على الشخصيات لأنها ترتدي ملابس واقية بكل شجاعة وتدخل إلى المكان المظلم. كان من الأفضل أن يحذف المونتاج جزءاً من تلك المشاهد.

أخيراً، يتخذ المسلسل منحىً درامياً ومعقداً من حيث الأرقام أيضاً: يقتصر المقياس على 600 كيلوباسكال كحد أقصى، ويتطلب أحد الأجهزة 125 فولتاً، وتظهر أرقام 85 و97 ميلي سيفيرتس على مقاييس الجرعات، مع أنها كانت أقل من 20 قبل دقيقة واحدة... تتلاحق هذه الأرقام بدل رؤية إنسان بارع وهو يتخذ قراراً مرتبطاً بها. ينشغل السيناريو في المقابل بعرض جميع الوقائع المهمة لدرجة أن يمتنع عن تطوير أي شخصيات مؤثرة باستثناء "يوشيدا". لا شك في أن المسلسل يُعتبر تكريماً للرجل الذي مات بسبب السرطان بعد سنتين على تلك الكارثة، لذا يستحق العمل الإشادة والثناء من هذه الناحية. هو يوحي أيضاً بأنه يوجّه تحية لرئيس الوزراء ناوتو كان (فوميو كوهيناتا)، فنشاهده وهو مستاء حول طاولة النقاش عند سماع أجوبة واهية من المشاركين المتوترين. لكنها ردة فعل مناسبة تجاه المسلسل بحد ذاته: حين يكون الحدث بهذه الأهمية، يُفترض أن يتخلى صانعو العمل عن التفاصيل الدقيقة ويُركزوا على المغزى الحقيقي.