جوزيف حبيب

إرهابيّو "أنتيفا": فاشيّون يُحاربون الفاشيّة!

4 دقائق للقراءة
ميليشياويّو "أنتيفا" لا يستطيعون تغيير معادلات أو صناعة التاريخ وكتابته (أرشيف)

كان الفيلسوف الألماني جورج هيغل على حق عندما قال إنّ الدرس الوحيد الذي نتعلّمه من التاريخ هو أنّنا لا نتعلّم شيئاً منه! وهذا بالضبط ما يجعل البشرية تدفع "فاتورة الدم" أضعافاً مضاعفة عند كلّ محطّة تاريخية مفصلية. وبعد مرور عقد أو عقدين من الزمن يُعيد البعض تصفير كلّ ما سبق، وكأنّ شيئاً لم يكن. هكذا تعمل معظم المجموعات الراديكاليّة، مدفوعةً طبعاً بأيديولوجيّات بائدة وأحقاد دفينة.

معضلة هؤلاء الأشخاص المؤدلجين أنّهم يُريدون تحويل كلّ ما يُحيط بهم على صورتهم ومثالهم. لا حقيقة خارج عقيدتهم ولا شرعيّة لأي سلطة لا ترفع بيارقهم. ومن بين هذه المجموعات حركة "أنتيفا" اليسارية الراديكالية والتي تعني "ضدّ الفاشيّة" وتعود جذورها إلى بدايات القرن العشرين في أوروبا، فيما تنشط خلاياها اللامركزية اليوم خصوصاً في الولايات المتحدة ضدّ كلّ ما هو "فاشي وعنصري"، بنظرها.

أخذت الحركة التي تسعى ولايات جمهورية إلى تصنيفها كـ"منظّمة إرهابية"، على عاتقها، "محاربة" مجموعات يمينية متطرّفة، لكنّ غوغائيّتها استدرجتها إلى الانزلاق في مواجهة أي تجمّع اجتماعي أو سياسي يتعارض مع توجّهاتها الـ"أنتي أميركية". وأعاد ما حصل من تضارب بين أهالي طلاب وناشطين أوباش أمام إحدى المدارس في غلينديل بكاليفورنيا الثلثاء الماضي، "أنتيفا" إلى الواجهة مجدّداً، مع اتهام الأهالي عناصرها بالاعتداء عليهم بعد اجتماع عام لذوي الطلاب وإدارة المدرسة حول فرض حصص تعليمية تتعلّق بـ"شهر الفخر" وحقوق مجتمع الميم - عين.

بدأت القصّة باعتراض أهالي الطلاب، وجلّهم من الجالية الأرمنية الكبيرة في المنطقة، على تلقين أولادهم دروساً حول الهويّة الجنسيّة يعتبرون أنّها ليست من اختصاص المدرسة، رافضين فرض تعليم هذه الأفكار بالقوّة لأولادهم وتشويش عقولهم بقضايا لا تتناسب وأعمارهم. وبينما كان مجتمع الميم - عين في السابق عرضة للاضطهاد والتمييز، بات اليوم كلّ من يرفض أن يكون "راقصاً" على مسارح "حفلات الفخر" في موقع المُستهدف من قِبل الرعاع.

لم تعد المسألة تتعلّق بحقوق مفترضة لمتحوّلين وعابرين جنسيّاً وسواهم، صارت "ثقافة ترهيب" تُعمّم بغية سحق التعدّدية وتمهيد الطريق لتغيير قيم المجتمعات وثقافتها. وغالباً ما يعتدي الناشطون اليساريّون الأناركيّون لفظيّاً وجسديّاً على كلّ من يختلف معهم في الرأي ويُريدون تطويع "الآخر" باستخدام العنف و"تعليبه" على قياس صناديقهم العقائدية الضيّقة، وهذه هي الفاشيّة بعينها التي يزعمون محاربتها.

بدأت تعلو أصوات كثير من الأهالي في مختلف الولايات الأميركية، لرسم الحدود الفاصلة بين ما هو مسموح به للجهاز التعليمي وبين ما هو ممنوع عليه تناوله مع الطلاب في ما يخصّ الهويّة الجندرية. ويتساءل الأهالي: بأيّ حقّ يوجِّه فرد من أفراد الطاقم التعليمي، نصّب نفسه "مرشداً جنسيّاً"، تلميذاً صغيراً بخيار تغيير ميوله الجنسيّة من دون عِلم ذويه؟

وفي حين يؤكد الأهالي حقّ أي إنسان بأن يكون ما يُريد لنفسه أن يكون، يرفضون في الوقت عينه تشويه الهويّة الجنسيّة لأولادهم وإثارة الإلتباس لديهم حول مسائل تتخطّى إدراكهم ووعيهم. وبالعودة إلى "أنتيفا" و"أخواتها" التي اعتادت اقحام نفسها في كلّ شاردة وواردة في المجتمع، فإنّ خطورة تحرّكاتها على الأرض تكمن بالتعدّي على حرّية الآخرين بالتعبير عن رأيهم والمساس بالسلم المجتمعي.

الممارسات الصبيانيّة التافهة لمثل هذه الحركات المفلسة سياسيّاً لم تمنع صعود الفاشيّة في إيطاليا ولا النازية في ألمانيا في النصف الأوّل من القرن الماضي، لا بل أجّجت المشاعر الشعبيّة، بالتأكيد إلى جانب عوامل كثيرة أخرى، التي مهّدت لصعود بينيتو موسوليني وأدولف هتلر، حتّى أنّها لم تؤدّ دوراً فاعلاً في سقوطهما.

وأصحاب "القمصان السود" في هذه الأزمنة، أي إرهابيّو "أنتيفا" الذين يرتدون اللباس الأسود من الرأس نزولاً حتّى أخمص القدمَين، لا يستطيعون تغيير معادلات أو صناعة التاريخ وكتابته. جلّ ما بمتناول أيديهم، إثارة الفوضى وضرب المدنيين وتدمير الأملاك العامة والخاصة ونهبها، والقيام بأعمال أمنية تخريبية... وتحميل دافعي الضرائب وزر أفعالهم الهدّامة.