رواد مسلم

الهجوم الأوكراني المضاد في مراحله التمهيديّة

5 دقائق للقراءة
يقوم الجيش الأوكراني بجسّ نبض الدفاعات الروسية لمعرفة نقاط ضعفها (أ ف ب)

لا يزال من المبكّر الحديث عن إنجازات ميدانية أوكرانية بعد اعتراف الرئيس فولوديمير زيلينسكي أنّ الهجوم المضاد قد انطلق بالفعل من دون توضيح المراحل التي يمرّ بها هذا الهجوم حاليّاً، والذي من المرجّح أن يطول لأسباب عسكرية وسياسية عديدة، ولا يمكن حتى اعتماد المقاربة الروسية التي تؤكّد حدوث إخفاقات في الهجوم الأوكراني المضاد وصدّ الجيش الروسي لمعظم الهجمات الأوكرانية.

إن قدرات الهجوم الكبير التي أعدّتها أوكرانيا من عديد وعتاد لم تنخرط بكاملها في المعارك الجارية، حيث القدرة القتالية التي أعدّت وتدرّبت بمساعدة الغرب على تنفيذ الهجوم المضادّ تتألّف من 9 ألوية مشاة مدرّعة وما فوق (3 فرق أو فيلق وما فوق)، والقوّة المشاركة في العمليات الجارية لا تتخطّى لواءين، أي لم تصل إلى عديد فرقة مشاة مدرّعة.

هناك ثلاث جبهات أساسية متباعدة عن بعضها يقوم الجيش الأوكراني فيها بعمليات هجومية محدودة، باخموت شمالاً، حيث إستطاع استعادة 1.5 كلم من الأراضي المحتلّة، وفيليكا ونوفوسيلكا في الوسط، وزابوريجيا جنوباً، ومن الطبيعي أن لا يحقّق الجيش الأوكراني تقدّماً كبيراً لأنّ الجبهة طويلة جدّاً والعديد المهاجم لا يتخطّى العديد المدافع، ففي العلوم العسكرية وضمن المعدّلات التكتية والتاريخية، يجب أن يكون عديد القوات المهاجمة ثلاث أضعاف القوات المدافعة، فضلاً عن الجهوزية العالية للجيش الروسي الذي يتحضّر منذ الشتاء لصدّ الهجوم الأوكراني المضادّ.

وفي هذا الصدد، عمد الجيش الروسي إلى بناء ثلاث مستويات ضخمة للدفاع في كل منطقة محتلّة، الأولى للإنذار والإستطلاع، وهي الحلقة الدفاعية الأوسع والتي تمتلك صلاحيات التدمير، المستوى الثاني هو عبارة عن مقطع أرضي مزروع بالألغام والحواجز الهندسية، إضافةً إلى الخنادق والحفر الضخمة لعرقلة تقدّم المدرّعات والآليات الغربية. أمّا المستوى الثالث، حيث تتجمّع القدرة الدفاعية الأساسية لصدّ أي خرق في المستويات الأولى والثانية. وهذا ما يصعب الهجوم الأوكراني الذي يتطلّب قدرات هجومية يمتلكها الجيش الأوكراني، ولكن يجب حشدها في نقاط الضعف واتباع خطط محكمة تعتمد على المفاجأة لإحداث الخرق.

المدرّعات هي السلاح المثالي لإحداث الخرق في هذه الدفاعات الضخمة، فهي قوّة صدم مثالية وتتمتع بالحركيّة العالية، خصوصاً عند مرافقتها بآليات هندسية لإزالة الحواجز والألغام، والمشاة لحماية تقدّمها من خلال المراقبة الدائرية وحماية مجنبات المدرّعات التي تعتبر هدفاً مثالياً لتعطيلها. أمّا في المرحلة التحضيرية، فيستخدم الجيش الأوكراني استراتيجية الهجمات الخاطفة السريعة والإنسحاب الفوري، معتمداً على قوّات المشاة المدرّعة بشكل أساسي مدعومين بالدبابات، وليس العكس، أي أن مجموعة من المشاة محمولة بآليات "برادلي" الأميركية تهاجم بسرعة دفاعات الجيش الروسي مدعومين من دبابات غربية وحماية جوية من المدافع والطائرات المسيّرة.

الجيش الأوكراني لا يقوم بمعركة تصادمية في هذه المرحلة، أي دبابة بمواجهة دبابة، وإنّ تدمير 4 دبابات "ليوبارد 2" من قبل الجيش الروسي أمر طبيعي، لأنّها لم تكن القوّة المهاجمة الأساسية ولم تكن محمية ومحاطة بالمشاة، كما يظهر الفيديو المتداول، فهي كانت تقوم بدعم المشاة وتقديم الضربات عند الطلب ولم تكن تقوم بمهمة تصديع دفاعات الجيش الروسي، لكن الأمر المهمّ في هذا التدمير هو أنّ مضادات الدروع الروسية لا يمكن إسكاتها فقط بالرادارات المزوّدة بها الدبابات الغربية ولا الإستطلاع الجوّي من خلال المسيّرات، فهذا تحدٍّ لصانع القرار الأوكراني لإيجاد خطّة تدمير مسبقة للأسلحة المضادة للدروع الروسية قبل إطلاق الهجوم الكبير الذي سيعتمد على المدرّعات بشكل أساسي.

فبالرغم من تفوّق الدبابات الغربية المقدّمة لأوكرانيا مثل "ليوبارد" و"تشالنجر 2" وغيرها على الدبابات الروسية مثل "ت 60" و"ت 62" وت 72" و"أرماتا" وغيرها، فإنّ المعركة التصادمية يمكن أن تكون لصالح الجيش الروسي إذا لم يحصل الجيش الأوكراني على معلومات دقيقة حول مواقع المضادات الروسية وتدميرها قبل وصول الدبابات الغربية إلى بقعة العمل المكشوفة.

لذلك، إنها المرحلة التمهيدية ضمن مراحل الهجوم الأوكراني المضاد الذي يهدف إلى إستعادة الأراضي المحتلّة، فهي المرحلة الأولى التي يقوم الجيش الأوكراني خلالها بجسّ نبض الدفاعات الروسية والإستطلاع بالنّار لمعرفة نقاط ضعف العدو في عدد كبير من الجبهات، ليبني الخطط العسكرية والتشكيلات القتالية على النتائج الميدانية للمرحلة الأولى، ليتم الدّفع بالمرحلة اللاحقة التي يمكن أن تكون مرحلة الهجوم الكبير بعد حشد القدرات القتالية في مناطق الضعف لإحداث الثغرات واستثمار نجاح المرحلة التحضيرية، إضافةً إلى كسب الوقت لجفاف التربة في خيرسون بعد الفيضانات التي سببّها تفجير سدّ كاخوفكا، وهي المنطقة المثالية للهجوم الكبير، حيث الأراضي مفتوحة ومناسبة لتقدّم المدرّعات الأوكرانية شرقاً نحو بحر آزوف وجنوباً نحو شبه جزيرة القرم.