ياربي لاتزانادو

الراحل سيلفيو برلسكوني: الفضائح عنوان حياته الخاصة ومسيرته المهنية

8 دقائق للقراءة

المصدر: Foreign Policy

سيلفيو برلسكوني المستقيل من منصب رئيس وزراء إيطاليا على غلاف مجلّة Time

كل ما أراده سيلفيو برلسكوني، صاحب ثاني أطول عهد كرئيس للحكومة الإيطالية بعد بينيتو موسوليني، هو أن يحبه الناس. لطالما حاول أن يكسب إعجاب المحيطين به، حين كان سياسياً معروفاً على الساحة العالمية أو عندما كان مغنياً على مسرح سفينة سياحية. توفي برلسكوني يوم الإثنين الماضي عن عمر 86 عاماً.

غادر برلسكوني عالم السياسة رسمياً بسيارة ليموزين سوداء، في تشرين الثاني 2011، بعدما قدّم استقالته إلى الرئيس الإيطالي جورجيو نابوليتانو في قصر «كويرينال» في روما، لكنه بقي شخصية سياسية مؤثرة حتى وفاته.

إضطر برلسكوني للتنحي من السلطة بعد حجب الثقة عنه على خلفية ادعاءات مرتبطة بالاحتيال الضريبي. بعد استقالته، جلس في الجهة الخلفية من سيارته الداكنة فيما راح سائقه يمرّ وسط حشود عدائية اصطفت على جانب الطريق المؤدي إلى الفيلا التي يملكها في «بيازا فينيسيا».

لم يكن سقوط حكومة أخرى حدثاً مؤثراً جداً في إيطاليا، لكن تزامن رحيل برلسكوني هذه المرة مع حدث صاخب. كان هذا الأخير يُعرَف بلقب «الدون تيفلون» قبل تنحيه من السلطة أخيراً، وقد تشوّهت سمعته في العام 2010 بسبب فضيحة جنسية مع راقصة عمرها 17 عاماً واسمها كريمة المحروق (اسمها الفني «روبي روباكوري»). جلبها برلسكوني من مركز الشرطة في ميلانو بعدما اتصلت بأحد مساعديه، لأنه كان يدرك أن روبي تعرف معلومات تفوق ما تعرفه معظم الشابات الأخريات في أوساطه الفاسقة. بدأت فضيحة روبي حين اتصل مكتب برلسكوني بشرطة ميلانو لإبلاغ المسؤولين هناك بأن تلك الشابة هي حفيدة الرئيس المصري حسني مبارك، وهي معلومة خاطئة. لكنها كانت في الحقيقة مشارِكة دائمة في الحفلات الصاخبة التي أقامها رئيس الوزراء في قبو فيلا «أركور» التي كان يملكها بالقرب من ميلانو.

في الشأن السياسي، احتاج برلسكوني إلى أكثر من شهر لإدانة تحركات صديقه فلاديمير بوتين، حين أقدمت روسيا على غزو أوكرانيا، علماً أنه كان يشاركه منازل العطلة في سردينيا التي تُعتبر معقلاً للأوليغارشيين الروس. بعد فترة قصيرة على بدء الحرب، أخبر المراسلين بأن «أوروبا يُفترض أن توافق على اقتراح سلام وتحاول إقناع الأوكرانيين بتقبّل مطالب بوتين». لكنه اعترف أخيراً بأن صديقه فلاديمير كان مخطئاً، فقال إن تحركاته «أحزنته وخيّبت آماله».

على غرار الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، كان برلسكوني أول رئيس وزراء إيطالي يقود البلد من دون أن يكون مسؤولاً مُنتَخباً. تتعدد القواسم المشتركة في أسلوبهما، لكن كان برلسكوني رجلاً مثقفاً جداً ولطالما طرح تحليلات جيوسياسية مبهرة.

وُلِد برلسكوني في العام 1936، وهو ابن موظف بنك وربة منزل. أمضى سنوات طويلة وهو يصطحب والدته روزا معه لمقابلة قادة العالم، وكانت تحضر معظم المناسبات الرسمية معه. لكنها توفيت في العام 2008. ثم توفيت شقيقته ماريا فرانشيسكا أنتونيتا بعد سنة على موت والدتهما، ولطالما تورط شقيقه وشريكه في العمل أحياناً، باولو، مع الشرطة المالية.

كان برلسكوني في بداياته بائعاً للمكانس الكهربائية، وعمل بدوام جزئي كمغن على متن سفينة سياحية على مر الستينات. وفي خضم نجاحاته السياسية في مرحلة لاحقة من حياته، كتب الأغاني ونشر ألبومات عن حكايات نابولي، وهي لا تزال رائجة في أنحاء إيطاليا حتى الآن.

تخرّج برلسكوني بمرتبة شرف من كلية الحقوق في العام 1961 وارتبط بزوجته الأولى، كارلا إلفيرا دالويو، في العام 1965. هما تطلقا لاحقاً، لكنها بقيت المرأة الوحيدة التي لم تخبر صحافة الفضائح يوماً بتفاصيل علاقتهما. هي حافظت على مستوى مادي جيد طوال حياتها لأنها كانت تتلقى نفقة شهرية لم يعرف أحد قيمتها، لكنها كانت كافية على ما يبدو لمنعها من الرضوخ للصحافة التي لم تكفّ عن مطالبتها بالتكلم عن زوجها السابق. كان دور ولدَيهما، مارينا وبير سيلفيو، أساسياً في استثماراته الواسعة في مجال الإعلام والعقارات.

خلال الثمانينات، ارتبط برلسكوني بزوجته الثانية، فيرونيكا لاريو، بعدما وقع في حبها أثناء تقديمها رقصة وهي عارية الصدر في ميلانو. ثم أنجب منها ثلاثة أولاد (باربرا في العام 1984، وإليونورا في العام 1986، ولويجي في العام 1988). تطلّق الزوجان لاحقاً وسط فضيحة كبرى في العام 2009، حين أعلنت لاريو في مقالة مدوّية لصالح صحيفة يسارية أنها تنوي تركه لأنه «يمضي وقته مع القاصرات». إضطر برلسكوني لمنحها نفقة سنوية بقيمة 48 مليون دولار كي تحافظ على أسلوب الحياة الذي اعتادت عليه معه. بحلول تلك المرحلة، كان برلسكوني قد أصبح مليارديراً.

بدأ برلسكوني عمله في مجال العقارات عبر تطوير أماكن إقامة للمحترفين الشباب في أذكى ضاحية من ميلانو، وكان يهدف بذلك إلى إنشاء معقل فخم لعملاء يهتمون بأسلوب حياتهم الفاخر. بقي مصدر الأموال التي استعملها لإطلاق أول استثمار له مشكوكاً به حتى وفاته، فقد حاول عدد من المدعين العامين إثبات ارتباط تمويله بالمافيا لكنهم لم ينجحوا.

تابع برلسكوني أعماله إلى أن بنى إمبراطورية إعلامية ضخمة بفضل الأرباح التي كسبها من العقارات، وكان أول من قدّم مسلسلات «السيت كوم» على الطريقة الأميركية إلى الجماهير الإيطالية عبر أولى شبكاته التلفزيونية، بما في ذلك شبكة «تيلي ميلانو» التي أطلقها في العام 1974، و»كانال 5» التي أسسها في العام 1980. حتى أنه أسّس «ميديا ست» التي تُعتبر اليوم أكبر شبكة بث تجارية في إيطاليا، فراحت تستورد برامج أميركية كان مهووساً بها، مثل General Hospital (المستشفى العام) وDallas. لكنه عرض أيضاً برامج قائمة على التمييز الجنسي الفاضح، حيث تظهر نساء مبتذلات وهنّ يتقرّبن من رجال متقدمين في السن. لا يزال هذا النوع من البرامج التلفزيونية مستمراً حتى اليوم، ويتعلق جزء من السبب بهيمنة النزعة الذكورية على المجتمع.

تابع برلسكوني استثمار أرباحه الكبرى في مجال العقارات، والنشر، والمحال التجارية، وفريق كرة القدم «إيه سي ميلان» الذي أداره تحت مظلة مجموعة «فينينفست». تشمل هذه المجموعة أكثر من 150 شركة وقد طاولها عدد كبير من التحقيقات، والمحاكمات، والغرامات، بسبب أسلوبها الشائك والمبتكر في إدارة حساباتها.

على صعيد آخر، استغل برلسكوني هوس إيطاليا بالرياضة، فأطلق حزبه السياسي الخاص في العام 1994 وسمّاه «فورزا إيطاليا»، في إشارة إلى هتاف الإيطاليين خلال كأس العالم والمنافسات الوطنية. ثم أصبح رئيس الحكومة ثلاث مرات: بين أيار 1994 وكانون الثاني 1995، وبين حزيران 2001 وأيار 2006، وبين أيار 2008 وتشرين الثاني 2011.

كان عهده مليئاً بتُهَم الاحتيال الضريبي، والفضائح الجنسية، وتلميحات عن تورطه مع المافيا، ومجموعة من الحماقات الأخرى. أُدين بتقديم الرشاوى والتهرب الضريبي وإقامة علاقة جنسية مع فتاة قاصر، لكنه عاد وانقلب على معظم هذه التُهَم خلال جلسات الاستئناف السخية في إيطاليا. في حالتَين على الأقل، كانت تبرئته تنجم عن إقدام حكومته على تغيير القوانين. في العام 2014، قام بخدمات اجتماعية تعويضاً عن تورطه في قضايا الاحتيال الضريبي في السنة السابقة.

أعلن برلسكوني في مناسبات متكررة أنه أكثر من أطلق المبادرات لصالح النساء في إيطاليا، فعيّن مثلاً عارضة سابقة كانت تظهر وهي عارية الصدر على مجلة «بيريلي كالندر» كوزيرة تكافؤ الفرص. لكن فيما اتجهت بقية دول العالم إلى تقديم رواتب متساوية وراحت تحارب مظاهر التمييز الجنسي الفاضحة، بقيت إيطاليا متأخرة جداً عن معظم البلدان المتقدمة. تحتل إيطاليا دوماً مرتبة متدنية في التقرير الجنساني السنوي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، إذ يتراجع فيها عدد النساء في المناصب الإدارية وعالم صناعة القرار مقارنةً بالبلدان الأوروبية الأخرى ولا تزال إجازة الأبوة محدودة في البلد، ما يثبت أن المرأة تبقى المسؤولة الأولى عن الاعتناء بالأولاد.

تعرّض برلسكوني لاضطرابات صحية عدة، بما في ذلك مشاكل قلبية جعلته يتردد على المستشفى في مناسبات متكررة، فهو دخل المستشفى مثلاً في تاريخ محاكمته في واحدة من القضايا التي تورط بها. كما أنه أصيب بحالة حادة من فيروس «كوفيد-19» في بداية الجائحة، وتعرّض لإصابات عدة وكسر في الأنف حين رمى عليه أحد الأشخاص تمثال «ميلان دومو» التذكاري في العام 2009، عندما كان يوقّع للناس أثناء تجمّع انتخابي. وفي نيسان 2023، أصيب بسرطان الدم.

مع ذلك، بقي برلسكوني شخصية قوية حتى النهاية، وفاز بمقعد في مجلس الشيوخ الإيطالي في العام 2022. لكن سيتذكّره الناس على الأرجح بسبب هفواته وفضائحه.

دعا عدد من أشرس مناصريه إلى تنظيم جنازة رسمية له قبل موته بفترة طويلة. لكن يلومه خصومه على تدهور الوضع الاقتصادي في إيطاليا ومشكلة البلد في تطبيق القوانين. بنظر الكثيرين، يسهل اعتباره مجرّد شخص سخيف ومثير للشفقة، لكنه كان أغنى وأقوى من وضعه في هذه الخانة.