المحامي لوسيان عون كان أحد مؤسسي "التيار الوطني الحر"، لكنّه ككثيرين غيره صار خارج "التيار". قد يكون سبق آخرين في الخروج، وكان أقرب إلى اللواء عصام أبو جمرا الذي كان أبرز الخارجين، كونه كان رفيق العماد ميشال عون في الحكومة العسكرية وفي اللجوء إلى السفارة الفرنسية، وفي الإنتقال إلى باريس، وفي العودة على متن الطائرة نفسها، قبل أن تدق ساعة الإختلاف والإفتراق. كان للمحامي عون دور في الكثير من القضايا التي عاشها في داخل "التيار" ثم خارجه، وعن هذه التجربة يروي فصولا لـ"نداء السنين" في جريدة "نداء الوطن" والـ "أم تي في".
كيف بدأت علاقتك مع العماد ميشال عون؟
العماد عون كان صديقًا لوالدي منذ الثمانينات. وعندما تعرّض لمحاولة اغتيال في عاليه في بداية تلك الحقبة، زرناه وكان في مستشفى الألمان في الفياضية. ومن بعدها ما عدت قابلته حتى عام 1989 عندما بدأنا نزوره من ضمن وفود إلى قصر بعبدا تحت الأرض، وبدأنا تنظيم تظاهرات إلى القصر، وأنشأنا أنا والمحامين، الرئيس منيف بركات وسيمون الطويل وإيلي توما، خيمة المحامين في قصر بعبدا. وصرنا نداوم فيها في النهار وفي الليل. وبقينا حتى اشتدّت المعركة، وطلب الينا العماد عون أن نغادر. تركنا ساحة القصر عشية عملية 13 تشرين.
تحكي عن مرحلة ما بعد إعلان العماد عون حرب التحرير. اليوم كيف تنظر إلى هذه الحرب، هل كانت خطأ إستراتيجيًا ارتكبه العماد عون؟
طبعًا. كانت خطأ استراتيجيًا وأوّل المتحفظين كان اللواء عصام أبو جمرا، كونه كان عضوًا في المجلس العسكري، ونائبًا لرئيس الحكومة ومتولّيًا ستّ حقائب وزارية. قبل إعلان تلك الحرب، وكما روى لي لاحقًا، كانوا في وزارة الدفاع في 12 آذار 1989 وقال له العماد عون: بدّنا نقصف جلّ البحر (في رأس بيروت) حيث توجد مواقع للجيش السوري. قال له أبو جمرا: لا تقصف لأنّ القصف يسبّب لنا مشكلة كبيرة. ردّ عون: أريد أن أقصف. كرّر عليه أبو جمرا الطلب. وعده بأنّه لن يقصف. خرج أبو جمرا من مكتب عون ووصل إلى مكتبه، وإذا به يسمع طلقات depart مدفعية. عرف أنّ القصف بدأ وأنّ عون ينفذ تهديده، وكان اختصاصه كما عون مدفيعة. وفتح الجحيم. (بدأ القصف بسبب تهديد عون بإقفال المرافئ غير الشرعية)
صباح 14 آذار 1989 أعلن عون حرب التحرير
مية بالمية.
اللواء أبو جمرا لم يكن في جو القرار. كان في بيته صباحًا؟
في 12 آذار كان في وزارة الدفاع عندما حصل هذا الأمر وبدأ القصف. لم يكن موافقًا على إعلان حرب التحرير. كان معارضًا، لكنّه لم يكن قادرًا على تجسيد هذا الرفض وترجمته، لأنّه كان يخضع للتراتبية العسكرية. عون كان رئيس الحكومة وأعلى منه رتبة.
الخطأ الثاني الذي ارتكبه عون كان حرب الإلغاء ضد "القوات اللبنانية"؟
طبعًا. كان خطأ كبيرًا.
كنتم في جو القرارات التي اتخذها عون؟
لم أكن في جو القرارات وقتها. أصبحت في أجواء القرارات عام 2005
ليس على مستوى القرار بل على مستوى متابعة جوّ المرحلة.
كان هناك جوّ سياسي. بعدما ذهب العماد عون إلى تونس عام 1989 وبعد عودته لم يكن يطلع اللواء أبو جمرا على الوقائع. حتى عندما عمل اتفاقًا مع السوريين عام 2005 قبل عودته إلى لبنان، لم يكن أبو جمرا على علم بذلك. لم يطلعه على الأمر.
الجنرال عون لو سلّم السلطة إلى الرئيس رينيه معوض، كان تلافى حرب الإلغاء وسقوط المناطق الشرقية بعد عملية 13 تشرين؟
طبعًا. أكيد. شخصيًا أذكر أنّه كان يتردّد لعنده السفير الفرنسي "رينيه ألا" كل يوم، وزاره السفير البابوي لإقناعه بالإنخراط في المشروع السياسي. عُرِضَت عليه وزارة الدفاع ووزارة ثانية ورفض. كانت هناك مراسلات من بينها رسالة أُرسلت إلى الرئيس الياس الهراوي،يقول فيها إنه موافق ولكن كان الوقت قد تأخّر كثيرًا. قبل ليلة أو ليلتين كان تحضّر كل شيء ليحصل الهجوم في 13 تشرين.
خلال حرب التحرير زار اللواء أبو جمرا العراق، وحكى لاحقًا عن أموال عراقية أُرسلت إلى العماد ميشال عون. ماذا تعرف عن هذه الأموال وكيف نقلت من العراق إلى لبنان مع اللواء أبو جمرا؟
أكيد. يروي اللواء أبو جمرا أن العماد ميشال عون كلّفه أن يذهب إلى العراق، ويقابل الرئيس صدام حسين، ويحصل منه على مساعدات، لأنّ صدام حسين كان عرض مساعدة الجيش اللبناني. ذهب اللواء ابو جمرا إلى العراق وعرض صدام مساعدات عينية دبابات وأسلحة وأموال. قال له ابو جمرا: أنا لا أتعاطى بموضوع الأموال. لا تكلّفني بنقل أموال إلى بيروت، إتَّفِقْ مع العماد عون حول هذا الأمر، أنا لن أدخل في هذه المسألة. قال له صدام حسين إنّه سيكلف موفدًا خاصًا لنقل الأموال وتسليمها للعماد عون. بعد وقت، تبين أن هذه الأموال انتقلت إلى حساب العماد عون.
كيف تبلغتم قرار ترك القصر الجمهوري في بعبدا ليلة 13 تشرين؟
بلّغونا في القصر الجمهوري أنّ العملية تَقْلِت وأنّ الهجوم صار حتميًا والقرار اتُّخذ وطلبوا منّا "أخلوا الساحات".
من نقل المعلومات للعماد عون حول هذا القرار وتوقيته؟
كانت لديه معطيات. كثيرون حذّروه. عندما كنّا نلتقيه في القصر ، كان كثيرون يسألونه على مين متّكل؟ وكان يقول على ألله والمجتمع الدولي. في الـ"هوت ميزون" سمعتها منه عندما قال إنّه عندما بدأت طائرات السوخوي السورية بقصف وزارة الدفاع والقصر الجمهوري، اعتبر أنّ العملية خلصت وانحسمت وأعطى الأميركيون الضوء الأخضر للنظام السوري، بإيعاز وتسهيل من الإسرائيليين، لأنّه كان محظورًا على الطيران الحربي السوري التحليق في الأجواء اللبنانية. أعطوهم مهلة نصف ساعة للقصف.
كان هناك جوّ الخروج من قصر بعبدا قبل 13 تشرين؟ يقال إنّه أجرى تمرينًا على الوقت الذي يستغرقه الإنتقال بواسطة ملالة أم 113 من القصر الجمهوري إلى السفارة الفرنسية في الحازمية؟
صحيح. قبل أيام كلّف عسكريًا من آل شباط بهذه المهمة. هذا العسكري روى أنّه نزل بالملالة على السفارة، وبعد عودته قال له إن الأمر يستغرق بين 12 أو 13 دقيقة. وعن سبب استغراق هذا الوقت، شرح له أنّ حاجز الإسمنت بين خطي الأوتوستراد هو السبب، فأعطى أمرًا بتكسير هذا الحاجز وبتجربة قياس الوقت مرّة جديدة. بعد التجربة تبيّن أنّه تمّ اختصار أربع دقائق من الوقت. كان يحضِّر لعملية الإنتقال إلى السفارة الفرنسية. وبالفعل عندما بدأ قصف الطائرات اتّصل باللواء أبو جمرا، وانتقل إلى السفارة وترك عائلته في القصر.
كمجموعة حول العماد عون توقّعتم أن يستسلم بهذه السرعة ويترك القصر بهذه الطريقة؟ أو أن يقاوم كما كان يقول حتى آخر نفس؟
كانت المسألة مفاجئة لكل اللبنانيين. المفاجأة الثانية كانت بمقاومة الجيش اللبناني الباسل على خطوط التماس. عندما "فرطت" القيادة واستسلم وأعلن بصوته تسليم الأمرة لقيادة العماد إميل لحود، بناء على طلب الرئيس الياس الهراوي، حصلت حال إحباط، لكنّ ضباطًا وعسكريين على الجبهة لم يعلموا بما حصل، فظلّوا يقاتلون حتى بعد الظهر، واستشهد عدد كبير منهم بينما نجا اللواء (سليم) فغالي بأعجوبة ،بعدما أطلق السوريون النار على الجنود ولم يصيبوه.
كيف كان وقع الإستسلام وتسليم القيادة للعماد لحود عليكم؟
كانت نكسة وخيبة أمل. كنا مراهنين على صموده وكان قال للواء أبو جمرا نحن نصمد شهرين ثلاثة على شو خايفين؟ قبل ليلة كان زاره وقال له الهيئة رح تسقط الجبهات كلها. قال له عون: شو باك خايف. سنصمد وسأبقى لوحدي في قصر بعبدا وأقاتل، واللي بدّو يفلّ يفلّ يهرب. أنا باقي بالقصر. على هذا الأساس وجد أبو جمرا أنّو ما في نوا وصرنا مثل العين التي ستقاوم المخرز.
صبيحة 13 تشرين كان اللواء أبو جمرا في البيت. كيف انتقل إلى السفارة الفرنسية؟
الساعة 7 وشوي عندما بدأ الطيران قصف قصر بعبدا ووزارة الدفاع عرف العماد عون. اتصل باللواء أبو جمرا على الخط الأرضي (لاند لاين) وقال له الهيئة فتحت المعركة. الهيئة خلص رح تسقط. قال له أبو جمرا: شو قلتلك؟ ما عم تقنع مني. قال له: هيك الهيئة. بدّي أطلب منك طلب. قال: شو هو؟ قال له عون: أنت أقرب إلى تلفزيون لبنان قنال 11 في الحازمية، بلكي بتتلي بيان الإستسلام؟ انتفض أبو جمرا وصرخ وسكّر الخط. عرف أن الواقعة وقعت، وأحسّ في قرارة نفسه بالمصير الذي ينتظره، وأن السوريين فايتين وحياته وحياة عائلته في خطر ، واضطر أن ينتقل إلى السفارة الفرنسية، بينما كانت وحدات الجيش السوري تتوغّل في المنطقة الشرقية وتصل إلى المكلِّس مع وحدات من جيش العماد لحود.
ذهبت معه عائلته؟
أكيد
يتبع الإثنين 18 أيار 2026
السلطة والمال بين اللواء والجنرال
زمن التأسيس وزمن المنفى في باريس