الحيوانات البرية استغلت فترة الإقفال التام في نصف بلدان العالم

4 دقائق للقراءة

في مرحلة معينة من العام 2020، اضطر أكثر من نصف سكان العالم (4.4 مليارات نسمة) للالتزام بقيود الإقفال التام لكبح تفشي جائحة «كوفيد - 19». كان ذلك الحدث مفاجئاً ومؤثراً لأقصى حد. نتيجةً لذلك، أصبحت المدن الصاخبة صامتة، وأقفلت معظم المطاعم والمتاجر والمدارس أبوابها، ولم يُسمَح إلا بتقديم الخدمات الأساسية. في تلك الفترة بالذات، بدأ الناس يبلغون عن ظهور حيوانات في أماكن غير مألوفة.

في غضون ذلك، راح العلماء يتساءلون عن احتمال استغلال هذا الحدث المأسوي لاستكشاف تأثير البشر على سلوكيات الحيوانات البرية. تكاتف عدد من الباحثين في مجال حركة الحيوانات في العام 2020 لإطلاق «مبادرة التسجيل الحيوي في زمن كوفيد-19». شملت هذه المبادرة باحثين كانوا قد بدأوا دراسة الحيوانات قبل تفشي الجائحة، وقد استعملوا أجهزة التسجيل الحيوي لمراقبة تحركات الحيوانات. تستخدم هذه الأجهزة تكنولوجيا يمكن إيجادها في الهواتف الذكية أو الساعات، وقد تابعت تسجيل المعلومات حين كانت الفِرَق البحثية معزولة عن العالم.

أراد الباحثون أن يستكشفوا مدى تغيّر حركة الحيوانات عند انحسار النشاطات البشرية: هل بدأت الحيوانات تُغيّر سلوكها فعلاً بسبب تغيّر حركة البشر، أم أن البشر حصلوا على وقت إضافي لمراقبة الحيوانات في تلك الأماكن التي تبدو غير مألوفة؟

تشمل المبادرة الجماعية مشاريع عدة تتطرق إلى هذا السؤال من زوايا مختلفة، وقد نُشر أول الاستنتاجات حديثاً.

قادت عالِمة البيئة، مارلي تاكر، من جامعة «رادبود» في هولندا فريقاً دولياً فيه 174 عالِماً ركزوا على دراسة مدى تغيّر سلوك ثدييات برية كبرى خلال فترة الوباء. نُشرت استنتاجاتهم في مجلة «ساينس».

من خلال جمع بيانات أكثر من 2300 كائن من الثدييات الخاضعة للمراقبة (تنتمي إلى 43 فصيلة مثل الفيلة، والزرافات، والدببة، والغزلان، وأسود الجبال)، تعقب العلماء مسار تغيّر سلوكياتها وأنماط حركتها خلال فترات الإقفال التام في العام 2020 وقارنوها بالفترة نفسها من السنة السابقة.

قد تتأثر حركة الحيوانات بتنقلات البشر (أي حركة الناس والسيارات في المساحات الطبيعية) وبالبيئة الناشئة من حولها. في الحالات العادية، يستحيل التمييز بين هذين الأثرَين لأنهما شديدا التداخل، لكن شكّلت فترة الإقفال التام فرصة للقيام بذلك.

تبيّن أن الثدييات أصبحت أقرب إلى الطرقات بنسبة 36% خلال فترة الإقفال التام، وقد طالت مسافة تنقلاتها على مر عشرة أيام بنسبة 73% مقارنةً بالفترة نفسها من السنة السابقة. ربما اقتربت الثدييات من الطرقات بسبب تراجع حركة المرور، أو سمح لها غياب البشر في محيطها باستكشاف مناطق جديدة.

اكتشف فريق بقيادة الباحث كريس ويلمرز مثلاً أن أسود الجبال أصبحت أقرب ما يكون إلى المناطق الحضرية في سانتا كروز، كاليفورنيا، في العام 2020 مقارنةً بالسنوات السابقة، علماً أن هذا الحيوان يُعتبر متحفظاً بطبيعته ويتجنب المناطق التي يسكن فيها البشر.

تفاوتت نتائج الباحثين بحسب أجناس الحيوانات، وقد ينجم ذلك عن اختلاف سياسات الإقفال التام بين البلدان، لكن قد يرتبط هذا التفاوت أيضاً بعوامل أخرى مثل الاختلافات بين الأجناس من حيث القدرة على تغيير سلوكها. ربما يكون البعض أكثر مرونة في طريقة تجاوبه مع تغيّر النشاطات البشرية.

تُعتبر هذه الاستنتاجات مهمة لأنها تثبت أن حركة الحيوانات وسلوكياتها تتأثر مباشرةً بتحركات البشر، فضلاً عن آثار البيئة التي يبنيها الناس.

قد تسمح هذه المعلومة باستكشاف طرق جديدة لتغيير تصرفاتنا بشكلٍ ينعكس إيجاباً على الحياة البرية. يمكننا أن نعدّل مثلاً تدفق حركة المرور في مناطق مهمة بالنسبة إلى تنقلات الحيوانات، كأن تقتصر حركة السيارات في بعض الحدائق الوطنية على ساعات النهار منعاً لإزعاج الحيوانات خلال الليل.

تتابع «مبادرة التسجيل الحيوي في زمن كوفيد - 19» استكشاف تأثير تغيّر تنقلات البشر على حركة الحيوانات، وتستمر الأبحاث التي تشمل دراسة تُركّز على الطيور الجارحة، بينما تتمحور دراسة أخرى حول البيئة البحرية، ويقارن مشروع آخر تفاعلات الطيور والثدييات في أميركا الشمالية.

اجتمع جزء من أعضاء الفريق حديثاً للمرة الأولى في ورشة عمل لمناقشة هذه المشاريع. قد يكون تنقل البشر في المساحات الطبيعية جزءاً بسيطاً من آثار متنوعة يتركها الناس في الحياة البرية، لكن تسهم المعلومات التي تقدمها هذه الأبحاث في استكشاف مقاربات جديدة لتحسين التعايش بين البشر والحيوانات البرية. لم يعد الوضع يسمح بتضييع الوقت.