حسان الزين

نيال أصحاب الحقائق

دقيقتان للقراءة

يحتشد لبنان بمالكي الحقيقة.

هم كثيرون، والحقائق التي يملك كلٌّ منهم واحدة منها، أو أكثر، هي كثيرة أيضاً.

لكنّ هذا لا يهم. كثرةُ الحقائقِ لا تهم. لا تقدّم ولا تؤخّر. فكل حقيقة قائمة بذاتها، مكتملة العناصر، تفيض بنفسها، أو بنفس صاحبها وصاحبتها.

الحقائق تلمع، تتطاير.

والأهم الأهم هو أنّ صاحبَ كلّ حقيقة مقتنعٌ بها. هي حقيقة لكونه مقتنعاً بها. هي حقيقة لكونها تصدر عنه.

نيّالهم.

العالمُ والعلمُ هزّهما فيروس صغير، وأربكهما لردح من الزمن، وما زال. أمّا أصحاب الحقائق فلا يهزّهم شيءٌ أو أمرٌ. ولا حتّى العالم والعلم، بما في ذلك نسبيّة أينشتاين. ومَن هو هذا؟ وما هي هذه؟

والحقُّ يُقال: إن في ذلك لدليلٍ على شدة البأس، وعلى قوّة تلك الحقائق المتجلّية، المملوكة. وهذا، أي الملكية، والمالك، هما الجوهر، هما الأهم.

نيّالهم.

الضبابُ يخيّم على لبنان. العيون لا تكفي لرؤية متر أو مسافة يوم. تاريخ هذه المساحة الصغيرة من الكوكب، لبنان، جرّةٌ يدير كلُّ واحد أذنها إلى الجهة التي يشتهي. وراهنه كذلك، ومستقبله أيضاً، هما جرّة أو أذن. مواقف القوى السياسية بازار، بل سوق سوداء. كلُّ فريق، كل بائع، ينادي على زيته. ما يقوله اليوم، يصرخ بنقيضه غداً، أو بعد غدٍ. كلامُ الليلِ يمحوه النهار. ولا حسيب ولا رقيب. ما يراه هذا، أو ذاك، حقيقةً جليّةً، ثابتةً، بديهةً، الآن، هو كذبةٌ متهافتة مهجورة بعد قليل. وما يعتبره هذا حقيقة يجد فيه آخرُ خدعةً أو شبهةً. والشعراء يتبعهم الغاوون. الجمهور يتبع السياسيين. لا يكرّر كلُّ جمهور ما يقوله سياسيّوه فحسب، بل يسبقهم إلى الشيء ونقيضه. والشيء حقيقة ونقيضه حقيقة. كلُّ ما يُقال حقائق. الحقائق هي ما يُنطق به. الحقائق هي ما يُكتب على السوشيال ميديا أو في المواقع وعلى الشاشات. الحقائق هي ما يُطلق في الهواء.

وليس مهمّاً أن تكون حقيقة الآن حقيقة البعد أو القبل. ليس مهمّاً أن تكون حقيقة الأنا حقيقة آخر. هي حقيقةٌ محض. حقيقة ونقطة على السطر.

حقيقة الآن ولو هفتت بعد قليل، أو قبل قليل. حقيقة الأنا ولو آذت آخر، أو لم يرها حقيقة. ولا مشكلة في ذلك. لا مشكلة لأن لا الواقع ولا حتى الوجود، لا المنطق ولا حتى العلم، لا الزمن ولا حتّى التاريخ، لا الآخر ولا حتّى البشرية جمعاء، لا شيء بتاتاً، يمتحن الحقيقة سوى ذات صاحبها، سوى مصلحته.

نيّالهم.

إنها حقيقة.