ميشال الدكاش

الطمأنينة الكاذبة: سيكولوجيا المجتمعات التي تخاف الحقيقة

4 دقائق للقراءة

أصعب لحظة نفسية في حياة الإنسان ليست حين يكتشف الحقيقة، بل حين يكتشف أن ما آمن به طويلاً لم يكن حقيقة.

ففي داخل كل إنسان صراع خفي بين حاجتين: الحاجة إلى الحقيقة، والحاجة إلى الطمأنينة. والحقيقة تقلق لأنها تسائلنا، بينما الطمأنينة مريحة لأنها تؤكد ما نريد تصديقه. ولهذا يصبح الوهم أحياناً أكثر جاذبية من الحقيقة، لا لأنه أقوى منها، بل لأنه أكثر راحة للنفس.

بعد الحرب العالمية الثانية، حاول الفيلسوف وعالم الاجتماع تيودور أدورنو فهم هذا اللغز الإنساني: كيف يمكن لأناس عاديين أن يتحولوا إلى مؤمنين متحمسين بأفكار شمولية؟ وكيف يمكن لإنسان بسيط أن يسلّم عقله بالكامل لسلطة أو عقيدة دون أن يشعر بأنه فقد حريته؟

في دراسات كلية "بيركلي" الشهيرة عام 1950، توصّل أدورنو إلى خلاصة: "الخطر الحقيقي لا يكمن في الأيديولوجيا نفسها، بل في البنية النفسية التي تجعل الإنسان مستعداً لتصديقها دون مساءلة."

هذه الشخصية لا تولد مع الإنسان، بل تُصنع عبر التنشئة.

فالطفل الذي ينشأ في بيئة صارمة، حيث تكون الطاعة أهم من التفكير، واليقين أهم من السؤال، يتعلم منذ البداية أن الحقيقة لا تُكتشف بل تُسلَّم له جاهزة. ومع مرور الوقت تتحول هذه التربية إلى بنية نفسية عميقة: احترام مبالغ فيه للسلطة، خوف من الاختلاف، وعداء تلقائي تجاه من يشكّك في الرواية الجماعية.

وهنا يبدأ الرابط العميق بين التربية والأيديولوجيا. حين يُربّى الأطفال داخل منظومة فكرية مغلقة، لا يُدرَّبون على فهم الواقع، بل على حماية القصة التي نشأوا عليها. ومع الزمن تتحول هذه القصة إلى جزء من تكوينهم النفسي. وعندما يكبر الإنسان وهو يحمل تفسيراً واحداً للعالم، يصبح أي سؤال تهديداً لذاته لا مجرد نقاش فكري.

ولهذا السبب تبدو الحقيقة أحياناً مخيفة. فالمشكلة ليست في غياب من يبحثون عنها، بل في أن كثيرين يبحثون عن الطمأنينة بأن ما يؤمنون به هو الحقيقة. فالحقيقة تفتح الباب للأسئلة، بينما الطمأنينة تغلقه. الحقيقة تتطلب شجاعة، بينما الوهم يمنح راحة نفسية فورية.

ومن هنا نفهم لماذا تصبح الأيديولوجيات المغلقة شديدة الصلابة. ففي علم النفس السياسي، لا تُفهم الأيديولوجيا فقط كمجموعة أفكار، بل كآلية دفاع نفسي جماعية. إنها الطريقة التي يحوّل بها المجتمع جراحه القديمة إلى قصة ذات معنى. الألم يصبح رسالة، والخوف يتحول إلى هوية، والقلق يُعاد تفسيره كرسالة تاريخية يجب الحفاظ عليها وتوريثها.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه القصة إلى يقينٍ مقدّس. فالإنسان الذي يعيش داخل يقين أيديولوجي مغلق لا يرى العالم كما هو، بل كما يحتاج أن يراه كي يطمئن ويحافظ على توازنه النفسي. ولذلك تصبح مراجعة الأيديولوجيا تجربة قاسية، فهي لا تعني فقط تغيير رأي سياسي، بل إعادة بناء الهوية نفسها.

هنا يظهر ما يسميه علماء النفس "التنافر المعرفي" (Cognitive Dissonance): الصراع المؤلم بين ما صدّقناه طويلاً وبين ما يكشفه الواقع. كثيرون يهربون من هذا الصراع. فالوهم، مهما كان هشّاً، يمنح شعوراً بالتماسك الداخلي، أما الحقيقة فتفرض على الإنسان أن يواجه ذاته. ولهذا تبدو مواجهة الحقيقة أحياناً أقسى من الانهيار نفسه، لأن الاعتراف بالحقيقة قد يعني الاعتراف بأن سنوات طويلة من الإيمان كانت مبنية على صورة ناقصة. ومن هنا نفهم كيف قد يبدو الانتحار، في بعض الحالات النفسية، أرحم من مواجهة واقع مرفوض ومن احتمال الشماتة.

في علم النفس يُقال إن الإنسان قد يفضّل إيذاء نفسه على مواجهة حقيقة تهدّد هويته. فحين يصبح الوهم جزءاً من الشخصية، يتحول التخلي عنه إلى تجربة وجودية مؤلمة. ولهذا أيضاً كانت الأيديولوجيات المغلقة قوية نفسياً عبر التاريخ، فهي لا تحمي فكرة سياسية فحسب، بل تحمي توازناً نفسياً كاملاً لدى أتباعها.

النقطة المفصلية في حياة أي مجتمع ليست لحظة سقوط الوهم، بل لحظة امتلاك الشجاعة للاعتراف به. فالأيديولوجيا تستطيع أن تمنح الإنسان شعوراً بالقوة، لكنها لا تستطيع أن تبني مستقبلاً. المستقبل يُبنى فقط حين يتحرّر العقل من الخوف، ويصبح السؤال فضيلة لا خيانة.

لبنان اليوم لا يحتاج إلى أيديولوجيا جديدة، بل إلى تحرير الوعي: تربية أجيال تتعلّم التفكير قبل التصديق، وتفهم التاريخ قبل أن تقدّسه، وتضع الإنسان والدولة فوق أي سردية عابرة للحدود. فالخلاص الحقيقي لا يبدأ عندما ننتصر على خصومنا، بل حين ننتصر على الأوهام التي تسكن داخلنا.


مدرّب وخبير في القيادة والاستراتيجيا