معادلات المنظومة الممانعة منذ امتهنت ذرّ الخراب على لبنان، تجمع قمة «التناقض الهدام»، الذي تعكسه، على سبيل المثال، الجلسة الأخيرة لمجلس النواب، وذلك وفق معادلة «أسمع كلامك يعجبني... أشوف أمورك أستعجب». فبسحر ساحر استمعنا إلى دعوة الحوار وبإلحاح يقارب التوسل تطوف على شفاه النواب الممانعين وكأنهم ورثة المذهب الرواقي، ما دفع أحد الأصدقاء الفيسبوكيين إلى التعليق «يعني لي بيسمع صراخ الثنائي بالدعوة إلى الحوار، ما بصدق انو هول هني ذاتن تعول زعران الشيعة شيعة».
ولا يخرج عن السياق التناقضي حضور وزير المهجرين عصام شرف الدين في الوقفة الاحتجاجية ضد المصارف في لبنان. غرابة الأمر أنّ شرف الدين، وكما هو معروف، يشكل الحصّة الوزارية للوزير السابق طلال أرسلان، والأخير «حامي حما» قريبه وأحد أصحاب المصارف في لبنان مروان خير الدين، الذي أوقف في باريس وصودر جواز سفره، على خلفية مشاركته في «تشكيل عصابة إجرامية بهدف القيام باختلاس أموال عامّة من قبل موظف عمومي على حساب الدولة اللبنانية وخيانة الأمانة وإفساد موظف عمومي»، ويقال إنه قايض السلطات القضائية مقابل تخفيف التهم عنه بمعلومات ساعدت التحقيق وأدت إلى وضع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة على لائحة المطلوبين عبر الانتربول، قبل السماح له بالعودة إلى لبنان، حيث حصل بفضل إرسلان على استقبال «شعبي» حاشد و»طنة ورنة»، مما نذكر وتذكرون.
ومشاركة شرف الدين في التحرك على الرغم من أنّه ينتمي إلى عظام رقبة «حكم المصارف» الذي يجب أن يسقط، كما كان ينادي المتظاهرون الغاضبون، ليست الظاهرة الوحيدة والفريدة لأفراد من المنظومة الممانعة البارعين في محاضرات عن عفة مفقودة.
فالمهم هو الغاية، حتى لو تضمنت الوسائل مستويات غير مسبوقة من الإعجاز المبهر، كما عندما «كشف» الأمين العام لـ»حزب الله» حسن نصرالله أنّ رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة «كان يُعد مشروعاً لتهجير الشيعة اللبنانيين من لبنان إلى جنوب العراق»، فقط ليثير خوف مسيحيي لبنان كأقلية في محيط سني.
وهذا «الكشف» المبين بمفعول رجعي عمره يقارب 15 عاماً، لا يتوقف عند قمة التحريض على الآخر لتبرير كل الموبقات التي يرتكبها بحق الدولة والمؤسسات والمواطنين، عندما تستدعي مصلحة المشروع الممانع ذلك.
والهدف الوحيد لهذا الاختراع عن «تهجير الشيعة»، والذي يشبه الفيل عندما يطير، هو محاولة الإطاحة بمرشح المعارضة جهاد أزعور. ولعل هذا الترشيح هو تهمة الرجل الوحيدة وذنبه الذي لا يغتفر، والحجة أنّه من فريق عمل السنيورة ووزير ماليته عندما كانت نسبة النمو الاقتصادي في لبنان تقارب 6%، والذي ساهم بتأسيس المعهد المالي، والمتخرج من جامعات عريقة ولديه خبرة لحل الأزمات الاقتصادية والمالية، تفوق بالتأكيد ما لدى مرشح الممانعة سليمان فرنجية الذي كان بدوره من عظام الرقبة في المنظومة منذ اتفاق الطائف، ولا نجد في سيرته عندما كان وزيراً للصحة أو للداخلية إلا التزامه بالوصاية السورية من باب الوفاء ومن ثم بالخط الممانع حتى على حساب أحلامه المعلقة.
ولا غرابة إذا ما استمر تحليق الفيلة وصولاً إلى تحضير الأرض لما هو أكثر من الشحن الغرائزي بالكلام. ومن هنا ربما يمكن ترجمة مشاركة شرف الدين في تحرك احتجاجي ضد توأمه السياسي خير الدين، وما رافق هذا التحرك من غزو وتحطيم لمصارف، من دون أن يؤدي ذلك إلى أي مفاعيل تفيد المودعين، مع احتمال تحويل مثل هذا التحرك، إذا ما استوجبت حاجة «الحزب»، إلى أعمال شغب تطرح مرة جديدة معادلة «الأمن مقابل الخضوع».