وقع تحت نظري، بالصدفة، قبل أيام فيلم "المصير" ليوسف شاهين، الذي يتناول سيرة الفيلسوف الأندلسي ابن رشد: يبدأ الفيلم بمشهد حرق احد الفرنسيين بعد أن قام بترجمة احد كتب... ابن رشد. ومن المعروف أن الجامعات الوليدة في باريس وغيرها ما لبثت أن جعلت من فكر ابن رشد اساساً لتعليم الفلسفة فيها، وهو ما استمر لقرون، فيما تداعت الفلسفة منذ ذلك العهد في الاندلس كما في غيرها في هذه البلاد.
ومشهد، اليوم، يبدو أشد أسفا، إذ ينقطع مجرد تعليم الفلسفة في عدد متعاظم من الجامعات العربية. أما من اشتغل من الباحثين العرب في الفلسفة، ودرسَها في كبريات كليات الفلسفة قي المعاهد الأوروبية، فقد انصرف عددٌ متزايد منهم الى درس... التراث. وهذا ما يتضح في الكتب والبحوث والمنشورات حيث ان نصيبها من الطرح الفلسفي بات فقيرا ومعدوداً للغاية. ولو سألتَ وزير التعليم العالي - مثلما حصلَ لي قبل سنوات في أحد البلدان العربية - عن نقصان تعليم الفلسفة في جامعات هذا البلد، لأجابك مثلما أجابني: وما الحاجة إليها، خصوصا وأنها تتراجع في الغرب عموماً!
الفلسفة تتراجع أينما كان، بوصفها عقائد ومذاهب ومدارس، إلا أن شواغلها لم تنقطع، ولم تنعدم "ثقافة السؤال"، وهي أساس الفلسفة، أيا كانت هويتها.
فكيف لهذه الثقافة أن تنمو، أن تنتعش، فيما يتسيّد أصحاب "المنطق السحري"، الذين يفسرون الظواهر والمعضلات بزاد ثقافي ضحل، ومغمس بالحقد والكراهية!
يتأتى لفظ الفلسفة من تركيب لفظي إغريقي قديم، ويعني: "محبة الحكمة"، فكيف لها أن تستمر: إذا كان شغف العلم يتناقص، وحلّ مكان الحكمة نظرة "مؤامراتية" عن الآخر، و"مضخمة" عن الذات! وهو ما يلقاه المرء في أي تجلٍّ بسيط من تجليات الثقافة والقيمة والسلوكات، حيث إن الشائعة تحل مكان الخبر، وسيناريوات السياسة محلّ متابعة الاخبار وتحليلها، وتسليم الأمر لأمير ديني بدل أن يتكفل الفرد بنفسه.
الفلسفة - مؤكداً - هي الضحية الأولى في مشهد مجتمعاتنا البائس والدامي.