جوزيف حبيب

السلام بين كييف وموسكو: "الإنضمام" مقابل "الضمّ"!

4 دقائق للقراءة
حان الوقت لإنهاء المأساة في أوكرانيا (أ ف ب)

لم يستسغ الكرملين حتّى اللحظة فكرة خروج العاصمة التاريخية للأمبراطوريّة الروسية كييف من فلك نفوذه منذ انتصار "ثورة الكرامة" في "ميدان الاستقلال" بالعاصمة الأوكرانية في 18 شباط 2014، حيث تمكّن الثوّار من إطاحة حكم الرئيس المخلوع فيكتور يانوكوفيتش الموالي لموسكو. لكنّ الطلاق بين الروس والأوكران بات معمّداً بالدم بعد الغزو الروسي المشؤوم في 24 شباط 2022.

لا تستطيع موسكو التحجّج بالتاريخ فقط للمطالبة بأراضٍ كانت محسوبة سابقاً على أمبراطوريّتها الضائعة، كما لن تتمكّن كييف في المقابل من "الهروب" من "لعنة الجغرافيا" التي فرضت عليها جاراً لديه أطماع توسعيّة ويمتلك آلاف الرؤوس الحربية النووية ويحمل لقب "الدب". وبالتالي، فإنّ أي اتفاق سلام بين موسكو وكييف، لكي يكون شاملاً ومستداماً، يجب بالضرورة أن ينتُج عن "تنازلات متبادلة" تحترم حقّ الشعوب بتقرير مصيرها وتُترجم موازين القوى القائمة.

ومن هذا المنطلق، وإن صفت نيّات المتحاربَين اللذَين يُستنزفان في حرب تحوّلت جحيماً لهما، فعليهما مقاربة استراتيجيّتهما من زاوية مختلفة وتسوية صراعهما الباهظ الثمن بمنطق "لا هازم ولا مهزوم" وإيجاد صيغة تُبعد شبح اندلاع نزاع مستقبلي بينهما، علماً أنّهما يتجاوران على طول حدود مديدة. و"الخطوط الحمر" التي رسمها كلّ طرف للآخر، قد تُشكّل بحدّ ذاتها مفتاح الحلّ لإنهاء الحرب التي أنهكتهما وأرهقت العالم بأسره.

موسكو تُمانع إنضمام أوكرانيا إلى الناتو وتوسّع حدود الحلف أكثر نحو خاصرتها الجنوبية الغربية، شمال البحر الأسود، في إطار سياسة واشنطن المعهودة لـ"احتواء" روسيا، بينما ترفض كييف من جهتها الاعتراف بضمّ روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014، فضلاً عن ضمّ موسكو مناطق لوغانسك ودونيتسك وزابوريجيا وخيرسون الأوكرانية إليها، رغم أنّ روسيا لا تُسيطر على كلّ تلك المناطق. وباستطاعة كييف هنا إحراج موسكو أمام المجتمع الدولي باستخدام ورقة "انضمامها" إلى الناتو للتفاوض على ورقة "ضمّ" موسكو أراضيَ أوكرانية، لإنهاء الحرب.

والطرح يُمكن أن يتلخّص في "عرضَين متعارضَين" للاختيار بينهما: الأوّل، قبول كييف بتنازلها عن سيادتها على شبه جزيرة القرم وربّما بعض المناطق التي تضمّ غالبيّة من الإثنية الروسية (أجزاء من المناطق الأربع التي أعلنت روسيا ضمّها) لموسكو، مقابل تسليم الأخيرة بانضمام أوكرانيا إلى نادي الناتو مع تقديم تطمينات أمنية لروسيا حول حجم التواجد "الأطلسي" داخل الأراضي الأوكرانية وأماكن تموضعه ونوعيّة الأسلحة ومداها التي يُمكنه نشرها فيها، بما لا يُهدّد الأمن القومي الروسي.

أمّا الثاني، فيقتضي بتنازل كييف عن حقّها بدخول الناتو والتزامها الحياد، مقابل انسحاب القوات الروسية من كافة أراضيها المحتلّة وتقديم تعهّدات مكتوبة بعدم الاعتداء مستقبلاً بضمانات من قوى كبرى، بينها الصين، في إطار "خطّة سلام" تُعطى فيه المناطق ذات الغالبية الروسية نوعاً من الحكم الذاتي. بيد أن العرض الأوّل يبقى أكثر عدالة وشموليّة من الثاني، إذ إنّه يحترم حقّ "الأقليّة الروسيّة" بتقرير مصيرها عبر تنظيم استفتاء شفّاف بإشراف أممي، ويؤكد على الحقّ السيادي لكييف بالإنضمام إلى الناتو، ما يُرسّخ وجودها ويُحصّن استقلالها.

الحدود السياسية للدول ليست "مقدّسة" وهي عرضة لعوامل المدّ والجزر بحسب المعطيات والمتغيّرات الديموغرافية وموازين القوى الداخلية والإقليمية والدولية. وبالفعل، فإنّ حدود الدول، خصوصاً في أوروبا، تغيّرت جذريّاً عبر التاريخ، فاتّسعت حيناً وانحصرت أحياناً أخرى، فيما يبقى الأساس تثبيت وجود الدولة القائمة وصيانة حرّيتها واستقلالها وضمان أمنها وسلامتها ورفاه شعبها. الخيار في النهاية بيد الأوكرانيين لتحديد مصيرهم مع التمنيات لهم بأن يُحسنوا "القراءة الإستراتيجية" لوضعيّتهم الجيوسياسيّة من أجل أجيالهم المقبلة.