علماء الفيزياء يُحذّرون: الأرض قد تغرق في الفوضى

4 دقائق للقراءة

وفق تقديرات علماء الفيزياء، قد يؤدي تأثير النشاطات البشرية على نظام كوكب الأرض إلى انتشار فوضى غير متوقعة ولا رجعة عنها.

استعمل فريق من علماء الفيزياء، بقيادة أليكس بيرناديني من جامعة بورتو في البرتغال، نظرية طُرِحت في الأساس لنمذجة ظاهرة «الموصلية الفائقة»، فاستنتجوا أننا لن نتمكن من استرجاع التوازن المناخي على كوكب الأرض بعد مرحلة معينة.

قد تنتج نسبة محدودة من النشاطات البشرية ظاهرة «الأرض الدفيئة» التي يصعب الرجوع منها. عرض الباحثون تفاصيل دراستهم في تقرير نشره موقع arXiv، في نيسان 2022، لكنه لم يخضع بعد لمراجعة علماء لم يشاركوا في الدراسة.

تعليقاً على هذا الموضوع، صرّح عالِم الفيزياء أورفو بيرتولامي لموقع Live Science، في السنة الماضية: «أصبحت تداعيات التغير المناخي معروفة (جفاف، موجات حرّ، ظواهر متطرفة...). إذا دخل نظام الأرض في نطاق السلوك الفوضوي، سنخسر جميع الآمال المتبقية بمعالجة المشكلة».

منذ بضع سنوات، زادت أحوال الطقس المتطرفة بوتيرة ثابتة: حرائق غابات كبرى، عواصف قوية، درجات حرارة تصل إلى مستويات غير مسبوقة... حذر علماء المناخ مما يحصل معتبرين هذه الظواهر نتيجة لنشاطات بشرية مثل حرق الوقود الأحفوري، وإزالة الغابات، وتوسيع نطاق الزراعة.

أدت هذه المستجدات إلى اقتراح عصر جيولوجي جديد اسمه «الأنثروبوسين»، وهو يشير إلى الحقبة التي يتأثر فيها نظام الأرض كله بالنشاطات البشرية بطريقة ملحوظة، علماً أن ذلك النظام يتألف من الغلاف الأرضي، والمحيط الحيوي، والغلاف المائي، والغلاف الجوي.

تبدأ حقبة الأنثروبوسين بعد العصر الهولوسيني الذي بدأ منذ 11700 سنة تقريباً، ويقترح العلماء أن يُعتبر منتصف القرن العشرين بداية لهذه الحقبة الجديدة، إذ تتزامن تلك المرحلة مع ذروة الحقبة النووية. قرر بيردانيني وزملاؤه نمذجة مسار الانتقال من العصر الهولوسيني إلى حقبة الأنثروبوسين باعتباره مرحلة انتقالية، ثم احتسبوا مسارها المستقبلي على هذا الأساس.

تُعتبر المراحل الانتقالية شائعة جداً، ويشير هذا المصطلح عموماً إلى طريقة تحوّل مادة معينة من حالة إلى أخرى. تذوب المواد الصلبة مثلاً وتصبح سائلة، أو يغلي السائل ويتحول إلى غاز. كذلك، ينتقل المعدن من حالة طبيعية إلى حالة فائقة التوصيل. ترتبط هذه الحالات كلها بنقطة تحوّل حيث تشهد حالة التوازن تغيّراً عميقاً للانتقال إلى حالة مختلفة.

نظام الأرض ليس مادياً، لكن تكشف الأبحاث أن نمذجة المرحلة الانتقالية يمكن استعمالها لتوقع التحولات المناخية بدرجة من النجاح. استعمل بيردانيني وزملاؤه نظرية «غينزبورغ-لانداو» التي تطورت في الأصل لنمذجة عملية «الموصلية الفائقة»، وطبّقوها على عصر الأنثروبوسين بناءً على درجة الحرارة وانطلاقاً من نقطة توازن العصر الهولوسيني.


أصبح التأثير البشري محدوداً اليوم. يشمل عالمنا نسبة ضئيلة من المساحات الصالحة للسكن، وكمية محدودة من الموارد، وتتراجع قدرتنا على استعمالها. وبسبب هذه السعة القصوى، قرر الباحثون رسم خرائط النتائج المحتملة للمرحلة الانتقالية نحو عصر الأنثروبوسين عبر استخدام خريطة لوجستية، وهي أداة تُستعمل لاستكشاف مسار تطور النتائج المعقدة، أو حتى الفوضى، انطلاقاً من نقطة بسيطة.


تكشف النتائج أننا لا نتجه بالضرورة نحو وضع مناخي كارثي. قد نتبع مساراً منتظماً ومتوقعاً ونصل في نهاية المطاف إلى شكل من الاستقرار المناخي الذي يترافق مع رفع متوسط درجات الحرارة مقارنةً بالمعدل الراهن. قد لا يكون هذا الوضع مثالياً، نظراً إلى الآثار المميتة التي بدأت تظهر منذ الآن وسط البشر والحيوانات.


لكن وفق السيناريوات الأكثر تطرفاً، تتجه الأرض على ما يبدو نحو حالة من الفوضى، ما يعني أن يغرق نظامها في سلوك فوضوي (تقلبات موسمية وأحوال طقس متطرفة) وتزيد صعوبة توقّع سلوك النظام مستقبلاً، فيصبح تخفيف حدة المشكلة غير ممكن. يعني ذلك أن تصبح العودة إلى مناخ مستقر بالغة الصعوبة أو حتى مستحيلة.


يكتب الباحثون في تقريرهم: «من خلال تقسيم النشاطات البشرية إلى مكوّنات متعددة، حللنا حالة تشمل عنصرَين فقط من تلك المكوّنات، وهما يتبعان الخرائط اللوجستية ويتفاعلان في ما بينهما. حتى في هذه الحالة البسيطة، لاحظنا ظهور سلوك فوضوي في نقاط التوازن الخاصة بنظام الأرض، ما يُمهّد لعواقب بارزة على الأرجح إذا التزم جزء من عناصر النشاطات البشرية بالخرائط اللوجستية، وهي فرضية منطقية نظراً إلى القيود الملموسة لنظام الأرض التي نعيش فيها».


لن تكون هذه النتيجة حتمية، وهو استنتاج مريح. لكن يدعو الباحثون إلى اعتبارها احتمالاً واقعياً لتصميم استراتيجيات قادرة على الحد من التغير المناخي والسيطرة على نظام الأرض مستقبلاً.