رواد مسلم

عزل القرم يحمي القوات الأوكرانية المهاجمة شرقاً

5 دقائق للقراءة
راجمة صواريخ أوكرانية تقصف مواقع عسكرية روسية قرب باخموت الثلثاء الفائت (أ ف ب)

تبدو أولوية الجيش الأوكراني في هذه المرحلة من الهجوم المضاد الذي يشنّه منذ الرابع من حزيران، التقدّم في الجبهة الجنوبية الشاسعة في مقاطعة زابوريجيا، للوصول إلى بحر آزوف عبر توكماك وميليتوبول، وبالتالي قطع الممرّ الروسي البرّي المهمّ بين دونباس وشبه جزيرة القرم. وبالتزامن مع التقدّم البري يعمل الجيش الأوكراني على قطع طرق الإمدادات اللوجستية عن شبه جزيرة القرم بعد استهداف جسر تشونهار بالصواريخ البعيدة المدى، وهو واحد من جسرَين مهمَّين في المنطقة، حيث يربط جسر تشونهار شبه جزيرة القرم بالبرّ الرئيسي لمناطق خيرسون الأوكرانية المحتلّة من الجيش الروسي شمالاً، بينما يربط جسر كيرش القرم بالبرّ الروسي شرقاً.

كسر ذلك الجسر البري يجعل من الصعب على الجيش الروسي إعادة الإمداد والدفاع عن شبه جزيرة القرم المعزولة عن دونباس ويعزلها لوجستياً، تاركاً مركز القرار الروسي أمام خيار صارم، إمّا تعريض أصوله العسكرية في شبه جزيرة القرم إلى مواجهة طويلة، وإمّا تقليص خسائره وسحبها. لذلك، هذا التهديد الأوكراني الكبير لشبه جزيرة القرم يُبرّر التصعيد الروسي عن إمكانية استعمال الأسلحة النووية التكتيكية بعد نشرها في بيلاروسيا.

هذا العزل اللوجستي الذي يعمل الجيش الأوكراني على فرضه في شبه جزيرة القرم ليس جديداً في التكتيكات الأوكرانية، فقد انسحب الجيش الروسي من مدينة خيرسون العام الماضي، بعدما قطع الجيش الأوكراني طرق المواصلات بين ضفتَي نهر دنيبرو، ما أدى تلقائيّاً إلى الانسحاب الروسي شرق الضفة، لكنّ هذا العزل اللوجستي مختلف في شبه جزيرة القرم، حيث القواعد الروسية الضخمة والأسطول البحري الكبير في سيفاستوبول، والأهمّ أن الشعب هناك موالٍ لروسيا، وبالتالي لن تكون من السهل السيطرة الأوكرانية على القرم.

لذلك، يُمكن أن يكون هدف عزل القرم لوجستياً ليس لاستعادتها ميدانياً، بل للانطلاق برّاً نحو الشرق بعد تجنيب القوات البرية الأوكرانية أي خطر من شبه جزيرة القرم عبر بحر آزوف، والتأكّد أنّ الخلفية والمجنّبات اليمنى للقوات المهاجمة آمنة من أي تهديد روسي، وبمجرّد الوصول إلى ميلوتوبول سيعمد الجيش الأوكراني إلى تثبيت الدفاعات الجوية نحو شبه جزيرة القرم لحماية القوات المهاجمة من أي هجوم جوّي روسي.

أمّا في الجبهة الشرقية، فيعمل الجيش الأوكراني على إبقاء القوات الروسية في حالة تخمين، حيث يتمّ الترويج للمكاسب الأوكرانية بانتظام حول مدينة باخموت، وهي مدينة ذات أهمية إستراتيجية ضئيلة والتي استولت روسيا على مركزها بكلفة باهظة الشهر الماضي، وبالطبع لا يُمكن لموسكو أن تتحمّل خسارة ماء الوجه هناك ما يُفيد الجيش الأوكراني بتثبيت القوات الروسية هناك واستنزافها، مع العلم أنها لن تكون ضمن المحور الرئيسي للهجوم المضادّ.

يعمد الجيش الأوكراني إلى استخدام الخداع العسكري في حقيقة اتّجاهات الهجوم المضادّ، فهو يظهر أنّه يُريد الهجوم على كامل الجبهة لاستعادة الأراضي المحتلّة، وبالفعل فهو يسترجع العديد من المدن في الشمال كما الجنوب والشرق، فضلاً عن أنّ العديد المشارك في هذه المرحلة من الهجوم المضادّ لم يتخطَّ ربع القوات المدرّبة لتنفيذ الهجوم الكبير. لذلك، يُمكن أن ينجح الجيش الأوكراني في المراحل اللاحقة بعد استخدام عنصر المفاجأة في الجبهة التي يختبر فيها ضعف القوات الروسية.

أمّا الردّ الروسي فيبدو أنّه سيكون قويّاً وانتقاميّاً، رغم استبدال مجموعة "فاغنر" في مساعدة الجيش الروسي، بكتيبة شيشانية، ما يضعف معنويات العناصر الروسية بعد الإنتصارات التي حقّقتها "فاغنر". وسيستعمل الجيش الروسي كلّ أوراقه للدفاع عن الأراضي التي احتلّها منذ الغزو، لذلك سيكون الدفاع مستميتاً وعلى جبهات عدّة، ضمناً الداخل الروسي، خصوصاً أنّ الجيش الأوكراني لا يُهاجم بالسرعة التي كان يُروّج لها في الهجوم المضادّ، فيعمل على استنزاف القوات الروسية ويؤخّر الهجوم الكبير بعد اختبار كلّ ردود الفعل الروسية المحتملة، أو بانتظار وصول الطائرات المقاتلة "أف 16" التي ستؤدي دوراً مهمّاً في حماية القوات البرية المهاجمة.

وبالإضافة إلى العزل اللوجستي للقرم، يشنّ الجيش الأوكراني حرباً نفسية على المواطنين الموالين لروسيا في القرم وخيرسون، بهدف تغيير توجّهاتهم التي تثق بحماية الجيش الروسي لأمنهم، فهم ينظرون إليه كجيش قوي، وهذه الضربات للجسور ستؤثر فيهم وبنظرتهم لقوّة الجيش الروسي.

من الواضح أنّ الخطة الهجومية الأوكرانية معقّدة بالنسبة إلى الجيش الروسي الذي هو في حالة تخمين دائمة، وفي المقلب الآخر الخطّة الدفاعية الروسية مرنة، فهي تستخدم الدفاع المتحرّك، ولكن طرق الإمدادات اللوجستية الروسية في الأراضي المحتلّة من نقل أسلحة وذخائر يستلزم وقتاً طويلاً، ومنظومة الصواريخ البعيدة المدى الأوكرانية تستخدم لقطع هذه الطرق، وكلّ هذا بفضل المساعدات الغربية، مثل صواريخ "ستورم شادو" و"هيمارس".

الهجوم المضادّ بمراحله وصولاً إلى استعادة الأراضي المحتلّة يتطلّب وقتاً وجهداً كبيرين، فالجيش الروسي من أقوى جيوش العالم وأكثرها عديداً، أمّا الجيش الأوكراني فتتعاظم قدراته بفضل التدريبات المشتركة مع دول الناتو، واستحصاله على أسلحة متطوّرة منها، والأهم الخطط العسكرية التي يُقدّمها الغرب لصانعي القرار العسكري الأوكراني لإنجاح هذا الجوم المضادّ.