سناء الجاك

عبثاً يبحث لودريان!

3 دقائق للقراءة

عبثاً يبحث ويستمع الموفد الرئاسي الفرنسي جان- إيف لودريان. فاللقاءات التي أجراها مع القوى السياسية اللبنانية لإخراج البلد من الانسداد الذي يسيطر على الانتخابات الرئاسية، لن تلد حلولاً، وستقتصر نتائجها على بعض المعلومات الإضافية المربكة لمعطياته العامة المتعلّقة بالملف اللبناني، والتي لم تكن تحتاج في الأساس زيارة رسمية خاصة على هذا المستوى الرفيع.

هو لم ولن يلتقط قطباً مخفية كفيلة بفك طلاسم الخلافات المستحكمة والمستعصية بين هذه القوى. ليس صحيحاً أنّ في لبنان أزمة نظام، أو حتى أزمة إدارة لهذا النظام. في الواقع لا قطب مخفية. في لبنان أزمة من يعتبر نفسه أعلى رتبة من النظام والدستور والقوانين. والسبب أنه مستقوٍ بسلاح غير شرعي يديره رأس محور يستمدّ سلطته مباشرة من قدسية انتمائه المذهبي.

ولودريان يعرف أنّ مكمن العلّة هو مصادرة السيادة. إدارته بدورها تعرف ذلك. رئيسه السيد إيمانويل ماكرون يعرف ذلك. والقوى السياسية اللبنانية بدورها أيضاً وأيضاً تعرف أنهم يعرفون. إلا أنّ هذه المعرفة لم تتعارض مع إرسال موفد موقّر ليستمع ويستطلع، مع أنّ القطب غير المخفية يترجمها ببساطة ومن دون تعقيدات «حزب الله»، الذي لا يريد إلا تنصيب سليمان فرنجية رئيساً على الرغم من معارضة أكثر من نصف نواب المجلس النيابي لهذا التنصيب بالإرغام.

هنا سبب الاستعصاء في إجراء انتخابات طبيعية. والدليل هو انسحاب نواب «الحزب» وحلفائه من الجلسات وتعطيل النصاب بانتظار انصياع الداخل وتفهّم الخارج للواقع اللبناني الخاص.

ولا سبيل لتذليل هذا الاستعصاء، إذا ما أرادت الإدارة الفرنسية، إلّا عبر الاستعانة بالأصيل للتفاهم «حبياً» مع الوكيل. لا أكثر ولا أقل... عند الأصيل مكمن التفاوض المثمر، ولو أنّ إمكانية الحلّ متوفرة داخلياً، لما كان على لودريان أن يتعب نفسه أساساً. ولما كان قصر بعبدا منذوراً لفراغ إلى أجل غير مسمّى.

وليس على لودريان إضاعة وقته وهو يحاول تكسير جدار الأزمة اللبنانية المستعصية. ما عليه إلا أن يستخلص العبر من السوابق الكفيلة بإدانة المعطّل الرئيسي لو أنّ هناك سياسة للثواب والعقاب، ليس في لبنان فحسب، ولكن على صعيد المجتمع الدولي الذي يمارس عدالة استنسابية وفق مصالحه.

بالتالي، هو يوقن أن لا المنطق، ولا الحوار، ولا القوانين المرعية الإجراء، ولا الدساتير التي تبقى حبراً على ورق، كلها نافعة لردع من يريد أن يحوِّل لبنان مستعمرة غير سعيدة، فقط تحت شعار «المقاومة»، ويرّبح رافضي سلاحه غير الشرعي منّة بأنّ إسرائيل تخافه، وينسى أنّ أفضاله وأفضال منظومة الفساد التي يحميها ليبرّر بقاء سلاحه فعلت باللبنانيين أفظع ممّا فعلته إسرائيل وما يمكن أن تفعله.

وربما الأجدى بالموفد الرئاسي الفرنسي وهو يبحث عن جنس ملائكة الرئيس العتيد، أن يتابع بعض ما يجري خلال زيارته ربوعنا، ويستخلص العبر من مدى جدية أي مفاوضات مع هؤلاء الذين لا يزالون يسمسرون على ما تبقّى من أنقاض في البلد، أو الذين يسعون لتلميع صورتهم واستعادة رصيدهم في الحكم وتعويم أنفسهم بانتظار المشاركة في الصفقة المقبلة وفق مقاييس «الحزب» المنتصر دوماً على اللبنانيين.

أو لعلّ لودريان يستغني عن زيارته «الاستطلاعية» مع ممثلي القوى السياسية اللبنانية في بيروت، ويتوجّه إلى حيث يجب لتحقيق خرق في جمود الملف الرئاسي، إذ لا يكفي التصريح بأنّ لبنان «غير متروك دولياً»، ذلك أنّ تبلور تطوّر جديد يستدعي حكماً البحث مع الأصيل عن وسائل إعادة الوكيل إلى بيت الطاعة. فنرتاح ونريح... ولو إلى حين.