تشتدّ حدّة المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في العاصمة الخرطوم مع دخول صراع الجنرالين أسبوعه الحادي عشر، وتحديداً في محيط مقرّ رئاسة قوات «الاحتياطي المركزي» جنوبي الخرطوم، التابعة للشرطة السودانية، والتي يعتبرها الجيش بمثابة قوات مشاة مقاتلة تابعة له باعتبارها مسلَّحة تسليحاً عالياً ومدرَّبة على القتال داخل المدن.
بالرغم من انتشار المواجهات المسلّحة في مناطق عدة خارج العاصمة الخرطوم، أهمها في ولاية غرب دارفور حيث ترتكب قوات الدعم السريع الإنتهاكات الفاضحة لحقوق الإنسان بحق المدنيين الفارين من مدينة الجنينة، فإنّ طابع المواجهات في الخرطوم مختلف عمّا هو في دارفور حيث يأخذ المنحى العرقي والقبلي بشكل واضح، أكثر من المنحى العسكري والتكتيكي الذي يتّبعه المحاربون في الخرطوم.
يتركّز التخطيط العسكري التكتيكي لعمليات القوى المهاجمة، أي قوات الدعم السريع، في الخرطوم، حول نقاط حاسمة عدّة، تعتبرها «مفاتيح» لضرب «مركز الثقل» لدى القوى المدافعة المتمثلة بمنظومة القيادة والسيطرة في الجيش السوداني، أي قيادة الجيش أو القصر الجمهوري، المتمركزة في العاصمة، التي وبمجرد ضرب مركز الثقل الإستراتيجي سيُجبر الجيش بقيادة اللواء عبد الفتاح البرهان على التفاوض أو يؤدّي إلى خسارة محتّمة له بعد القبض عليه.
تمكنّت قوات الدعم السريع من السيطرة على العديد من هذه النقاط الحاسمة والحيوية، أهمّها محطة النفط الرئيسية التي حوّلتها القوات شبه العسكرية إلى قاعدة. فبالرغم من عدم توقيف مضخّات النفط فيها، إلّا أنّ سيطرتها عليها تعتبر ورقة قوّة لصالحها، وورقة ضغط على قيادة الجيش كون عائدات النفط تُحافظ على الإقتصاد السوداني بشكل أساسي، وعواقب إغلاقها هائلة، حيث ستؤثر على قدرة الحكومة على العمل وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين. كذلك، سيطرت قوات الدعم السريع على مقرّ وسائل الإعلام الحكومية، ما أعطاها السيطرة الكاملة على الموجات الإذاعية، على الرغم من تمكّن الجيش من الاحتفاظ بالسيطرة على المحطّة التلفزيونية من خلال البث من أماكن أخرى.
وسيطرت قوات الدعم السريع أيضاً على 70 في المئة من المجمّع الرئاسي السوداني، حيث الإجراءات الأمنية الأكثر تشدّداً، فهي أهمّ الأهداف الإستراتيجية التي يسعى «الدعم السريع» إلى السيطرة الكاملة عليها منذ إنطلاق الإشتباكات أو الإنقلاب العسكري، فضلاً عن توقف معظم المطارات السودانية الدولية عن العمل بعد إغلاقها منذ بدء الصراع دون سيطرة أحد المتحاربين عليها.
واليوم، تُسيطر «الدعم السريع» على مقرّ رئاسة قوات «الاحتياطي المركزي»، فهو متمركز بالقرب من قيادة سلاح المدرّعات التابع للجيش السوداني الذي سيكون الهدف التالي للدعم السريع، فهذا السلاح هو الأهم بالنسبة إلى الجيش ويعتمد عليه في المواجهات. وتضيّق «الدعم السريع» الحصار اللوجستي على الجيش في الخرطوم بعد سيطرتها على جسر مهمّ للغاية، يربط بين مقاتليها في أم درمان وزملائهم في الخرطوم وبحري.
يبدو أنّ «الدعم السريع» تمتلك اليوم اليد العليا في الحرب السودانية، فبالرغم من تفوّق قدرة الجيش السوداني على الدفاع من حيث العديد والعتاد، فالأخير يمتلك 200 ألف مقاتل نظامي مدرّب مقابل نصف العدد لقوات الدعم السريع، فضلاً عن سلاح الجوّ المتمثّل بالطائرات الحربية مقابل لا شيء للدعم السريع، وسلاح المدفعية الثقيلة وغيرها، إلّا أنّ «الدعم السريع» تستطيع التغلّب على التفوّق الدفاعي من خلال استخدامها السيارات المدنية المسروقة بدلاً من العربات القتالية «لاندكروزر»، لتجنّب سلاح الجو.
لا شكّ أنّ «الدعم السريع» تخترق القانون الدولي الإنساني، من خلال إنتهاكات حقوق الإنسان وإستخدام المدنيين كدروع بشرية، وتمركزهم في الأعيان الثقافية والمدنية للقيام بأعمال عسكرية، لكن اللوم يبقى على السياسات الخاطئة التي اعتمدها الرئيس المخلوع عمر البشير التي أعطت «الدعم السريع» صفة رسمية بقيادة الجنرال محمد حمدان دقلو أو «حميدتي»، تاجر الذهب الذي سيطرت قواته على مناجم الذهب الغنية في السودان في عام 2017، وسيطرت على الحدود مع تشاد وليبيا.
يُشكّل عرب دارفور العمود الفقري لقوات الدعم السريع، ويبدو أنهم يعتقدون أن دورهم قد حان الآن لتولّي السلطة، خاصة بعد دورهم المحوري في مساعدة الجيش في محاربة متمرّدي دارفور في العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين. وتكمن إحدى أعظم نقاط القوة لدى «الدعم السريع» في حقيقة أن العديد من «كتائبها» تتكوّن من أفراد من نفس العائلة أو المجموعة العرقية، لذا يُقاتل أفرادها بضراوة لحماية بعضهم البعض، فهل ستطول هذه المرحلة الإنتقالية؟ ولماذا لم يتدخّل مجلس الأمن عسكرياً بعد وضوح جرائم الحرب؟