"حرب الجنرالين" تدخل عامها الرابع... والسودان ينزف بلا أفق

4 دقائق للقراءة
يعاني 21 مليون شخص في السودان من انعدام الأمن الغذائي الحاد (رويترز)

دخلت "حرب الجنرالين" الدامية في السودان بين رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان وقائد "قوات الدعم السريع" محمد حمدان دقلو "حميدتي" عامها الرابع أمس، فيما لا يزال أفق التوصل إلى حلّ سياسي يُنهي إحدى أسوأ المآسي الإنسانية في التاريخ الحديث مسدودًا، مع إصرار البرهان على إعادة توحيد البلاد والقضاء عسكريًا على "الدعم السريع"، مقابل تمسّك "حميدتي" بالحفاظ على قواته والأراضي التي تسيطر عليها، والتي تخضع حاليًا لسلطة حكومة موازية.

يعاني 21 مليون شخص في السودان من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع تضاعف معدّلات الفقر لتبلغ 70 في المئة، بينما أسفرت الحرب عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح أكثر من 11 مليونًا. ولم تحصل الجهات الإنسانية العاملة في السودان على أكثر من 16 في المئة من التمويل المطلوب لتقديم المساعدات للمحتاجين في البلاد.

في السياق، نُظم في برلين أمس المؤتمر الدولي الثالث في شأن السودان بغياب طرفي النزاع، حيث تعهّد المانحون بتقديم نحو 1.5 مليار يورو للسودان. وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش: "يجب أن ينتهي هذا الكابوس"، واصفًا الذكرى بأنها "محطة مأسوية في نزاع حطم بلدًا ذا آفاق هائلة". ودعا رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمد علي يوسف إلى مزيد من التركيز الإعلامي على "الأزمة الإنسانية الكارثية" التي خلّفتها الحرب.

ورأى وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول أن "أكبر كارثة إنسانية من صنع الإنسان في العالم تتكشف في السودان إلى حدّ كبير بعيدًا من أعين الرأي العام"، مضيفًا أن ألمانيا ستسهم بمبلغ 230 مليون يورو من المساعدات، في حين أكد مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس أن واشنطن قدّمت 579 مليون دولار أميركي كمساعدات إنسانية للسودان العام الماضي، وأنها تعهّدت بالفعل بتقديم 200 مليون دولار العام الحالي. وشدّد على أن أميركا لا تنحاز إلى أي طرف في الحرب الدائرة ‌في السودان، بل تركّز جهودها على ‌العمل على آلية ‌تابعة للأمم المتحدة لإنهاء الصراع. واعتبرت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر أن المجتمع الدولي خذل الدولة الأفريقية، داعية ‌إلى بذل جهود دولية منسّقة لوقف تدفق ‌الأسلحة.

في المقابل، اعتبرت ⁠الحكومة السودانية التابعة للبرهان أن استضافة ⁠ألمانيا المؤتمر تمثل "تدخلًا مفاجئًا وغير ‌مقبول" في شؤون السودان الداخلية، كما تحفظت قوى سياسية ومدنية سودانية على المؤتمر. كذلك، رفضت الحكومة الموازية التي تديرها "الدعم السريع" المؤتمر، مشيرة إلى أن عناصر سياسية مقرّبة من الجيش السوداني مدرجة ضمن المشاركين.

ورغم استمرار القتال في جنوب البلاد، تشهد العاصمة الخرطوم بعض الهدوء منذ سيطر الجيش عليها العام الماضي، وبدأت أعمال إعادة الإعمار واستؤنف العمل في الأسواق وعادت الحياة إلى مناطق سكن الطبقة الوسطى التي أضحى بعضها مكتظًا، بعدما كانت مهجورة أثناء المعارك. وأُجريت امتحانات المدارس الثانوية الوطنية هذا الأسبوع، بعد قرابة عامين من إغلاق معظم مدارس العاصمة. وعاد نحو 1.7 مليون نازح إلى الخرطوم منذ استعاد الجيش السيطرة عليها، حسب الأمم المتحدة.

ولكن القتال يزداد حدّة في منطقة كردفان في الجنوب وولاية النيل الأزرق في الجنوب الشرقي، ويعتمد بشكل كبير على هجمات الطائرات المسيّرة التي عطّلت الحياة اليومية. وأكد مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فليتشر أن "نحو 700 مدني قُتلوا في قصف بطائرات مسيّرة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من السنة الحالية". ولم تلق المساعي الدبلوماسية في السابق قبولًا من أطراف النزاع، كان آخرها مقترحات بالهدنة قدّمتها "الرباعية الدولية" في شأن السودان التي تضمّ أميركا والسعودية والإمارات ومصر.

وتفيد وكالات الأمم المتحدة ولجانها، إلى جانب المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، باستمرار الانتهاكات الخطرة في السودان، بما في ذلك المجازر، والتجنيد القسري، والاعتقالات التعسّفية، فضلًا عن العنف الجنسي واسع النطاق ضدّ النساء. وخلصت بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلّة التابعة للأمم المتحدة إلى أن الانتهاكات التي ارتكبها كل من الجيش و "الدعم السريع" ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية، مع مؤشرات على أعمال قد تصل إلى الإبادة الجماعية.