سعيد غريّب

عالم يحكمه رجال عاديون

4 دقائق للقراءة

العالم يغلي ويترقب شيئاً كبيراً قد يحدث على مستوى الكوكب الذي تدور حوله الشياطين ويكتظّ بالبشر وتشحّ خيراته التي استنفدها الانسان بفعل جشعه وطمعه وقلّة وعيه وقصر نظره.

العالم يعيش ظروفاً أقسى من الظروف التي ولّدت حربين عالميتين. الأولى تسبّبت بالثانية، والثانية هيّأت كلّ الظروف لتفجير ثالثة هي مندلعة بطرق أخرى وأساليب جديدة لم يشهدها الانسان من قبل.

غضب وألم وحزن وأوجاع تسيطر على حياة البشر في كل بقعة من بقاع الأرض، فحيث الهدوء لا ضمانة للفرح، وحيث التوتر لا مكان يتسع للطبيعة ولا لطبيعة العيش.

في زمن الانترنت وثرثرة «الواتس اب» وتويتر و»الفايسبوك» وغيرها تغيّر كل شيء. العلاقات والعادات، الاقتصاد والسياسات، الاعلام والتواصل، التربية والثقافة. ولوحة هذه الأيام ترينا أناساً يسعون إلى اللذة الآتية من مال لا إلى فرح يسكن القلب. العائلات تتفرق، الأولاد لا يلعبون، همومهم أكبر من أعمارهم، الجامعات توزع الشهادات بالجملة وفرص العمل لا تتوافر الا بالمفرق. كما ترينا اللوحة حكّاماً لا يبحثون سوى عن تكديس ثرواتهم، واذا اتهموا بـ»ضرب ذكاء» تكون الصدفة هي «ضرب حظ».

وحده نظام هجين ومبهم المعالم يسيّر هذا العالم ويخترق الدول والمساحات والشعوب، ووحده اقتصاد خبيث يتحكّم بالمسارات، فيقرر مصير الشعوب استقراراً أو اهتزازاً، رفاهيّة أو عوزاً، بعيداً من المفاهيم التقليدية التي قامت عليها الدول.

إنّ الواقع الدولي، ولا سيما في أتون الحرب الاوكرانية - الروسية بل واقع الصراعات أثبت ولا يزال يثبت، في ظلّ لعبة الامم، أنّ الصغير اذا لعب دوره أو بقي حجراً في أيدي اللاعبين، قد يشكّل خطراً لا على الصغار فحسب، بل على الكبار أيضاً. وأحياناً كثيرة يمسي الصغير إن لم يلعب دوره، خطراً يستعمله كبير ضد كبير. والواقع الدولي يتعامل مع الكبار والصغار مثلما يشتركون هم في تكوينه لجعله واقعاً. وقد تأتي الويلات في النهاية على الكبار والصغار.

في هذا المناخ الدرامي، أذهلت الأحداث الاخيرة في روسيا عالماً مضطرباً بنفسه، ومحتدماً في قضاياه، وفاتحاً الطريق أمام الانشقاقات والخروج والتطرف، وأيضاً أمام الانسحابات والتطورات غير المألوفة في غير موقع وظرف. وفي هذه الأجواء المضطربة، كيف سيهدأ العالم ومعظم حكّامه يحكمهم الجشع والغرور قبل كل شيء. وهم إمّا رجال عاديون، ذكاؤهم سطحي، وإمّا متعالون أصمّاء عن النقد، يحاولون اخفاء ضعفهم وعدم الثقة بالنفس، ويتجاهلون الحقائق والدقة والموضوعيّة والاستمراريّة؟

كيف ستسوى مشاكل العالم وهناك منهم من يسقط جسديّاً على الأرض مرات ومرات، وذهنيّاً بمحاكاة الهواء ومصافحة الأشباح، ومنهم من ينحني أمام نظرائه ويعانقهم ويطلق الكلام المعسول طمعاً باستثمارات ومصالح خاصّة قبل العامّة، ومنهم من تأسره لعبة السلطة والتوسع إلى حدود المخاطر التي لا عودة عنها. كيف ستسوّى مشاكل العالم وهناك من الدول من لديه جيش نظامي، لكنه يعتمد إلى جانبه على قوّات مرتزقة قوامها مجرمون تستعمل لضرورات قذرة فيما الشرعي يبقى بمنأى عن تحمل المسؤولية وتحمل أوزار الأفعال الاجرامية؟

إنّ الواقع الدولي، منذ بداية الألفية الثالثة، أنتج حرباً عالمية مقنّعة استنزافية، خلّفت حتى الآن ملايين القتلى وتهجيراً يشبه القتل تجاوز المئة مليون مهجر. وتشهد التكاليف الهائلة للحروب على الفشل في حل الصراعات أو منعها، حيث أضحى السلام يعاني من عجز قلّ نظيره. وثمة من المفكرين من يعتقد بل يجزم أنّ المطلوب بحث دائم عن نزاع وبحث دائم عن عدو، وقوداً لاستدامة اللعبة.

تبقى مراقبة الوضع في روسيا بعد التطورات الأخيرة والسريعة والمفاجئة: حتى الآن لا شيء واضحاً باستثناء التشويه الذي أصاب صورة فلاديمير بوتين.