جيمي الزاخم

بيروت وبنات القرى: غمرة "إمّ بِتْلِمّ"؟

6 دقائق للقراءة

إعتراف: العنوانُ فاشل. لا «يُمرحِبُكَ». لا يُغريك لتطأَ قدمُك هذه المقدّمةَ المُستهلَكَة. كلامٌ انتعل الحذاءَ نفسَه ألف مرّة. يهرولُ ليلتقي بيروتَ مع حروف مُملّةٍ تحنّطُ الجوع والبرد. حروف خائبة كبيروت. وما أثقل وأكثر خيباتها! لكنّها لم ترتدِ يوماً جواربَ سوداء. لم يغزُ الشيب أظفارها.

كلامٌ نمطيّ! ما هذا الاستهتار؟ لماذا نتكاسل بينما نلتقط، بعدسة قلمنا، صورةً شمسيّة قمريّة لبيروت! صورة تشرق فيها غميّزات على وجه تاء تبسط يديها لتقطفَ بنات المناطق البعيدة. تغريهنّ بمفاتنها. تغسل الوافدات إليها وتغتسل بهنّ. يصعدْن معها سلّمَهنَّ الحياتيّ، على مقام الصبا أو النهاوند أو الحجاز بنغمات مختلفة... المسافات مع مناطقهنّ تُقاس بالكيلومترات أو بدقّات القلوب؟ قلوب تحبّ، تَتحرّر، تُسيَّج، أو تُقتل. قلوب تكتشف ذاتَها خلال رحلة طافحة بالحُفر، كالطريق من أو إلى بيروت. كأنّها تحذّرنا أنّ بلوغها مغامرةٌ خطرة، ومغادرتَها انتحار شاقّ؟



حنين في زقاقات عماطور



حنين: أنا أحلّق بجَناحين

في عماطور الشوفية، أطلقت الفنانة حنين صرختها الأولى. ربّما كانت على شكل أوف مرندَحة. وحدها الداية «أم جمال» سمعتها! انتشلتها من أحشاء أمّها لتزرعها في رحم أرض مشتعلة بنار معاركَ أجهضت وصولَ الأهل إلى المستشفى. في بيوت «الزقاقات»، تمازجت الثقافة، العلم، الانفتاح، الموسيقى والكتب. هذه البيئة الاجتماعية والجغرافية، خَبزت طفولة حنين وحصّةً من مراهقتها حتى عامِها الرابع عشر. عام 1989، أنهى الابن البكر (الممثل بديع أبو شقرا) صفّ «البريفيه». المرحلة الثانوية -بنهجها الفرنسيّ لا الإنكليزي- كانت غائبةً عن مدارس المنطقة. فطلب الوالدان، الأستاذان في التعليم الرسمي، نقلَهما إلى بيروت، ليكونا إلى جانب أبنائهم مع اقترابهم من المرحلة الجامعيّة.

منذ أسبوعها الأوّل فيها، أيقنت حنين أن هذه المدينة مدينتها. لا غربةَ معها. تأكّدت أنّها مدينةٌ من نور رغم الحرب ورغم «إنّو الكهربا ما كانت تجي إلا ساعتين». الدمعة في عين بيروت الموجوعة، لم تَحجب بريقاً جذَب حنين. «عرفت إنو بيروت هي المطرح اللي بدي إبقى فيه». تستهويها العواصم مذ كانت تلميذةً في الصفوف الابتدائية. لم تكن خرساءَ النصوصُ التي تخبرها عن المدينة وصَخبها، المارّة والباعة المتجوّلين. في أسفارها إلى مدن العالم، تتعمّد زيارةَ الأسواق الشعبيّة. تتعرّف إلى الحِرفيّين. فترسم إحساس المدينة وشذاها.

البيئة المختلطة المنفتحة، المواكِبة لكلّ جديد في قريتها الأمّ سهّلت انخراطَ حنين في بيروت. فكانت الأخيرة امتداداً للأولى. بينهما جسرٌ من صوت وانتماء واعتزاز.»أنا حملت ضيعتي ولهجتي وجذوري. نزّلت معي رخامة صوتي المتأثّر بالمكان، وشكّلت هويتي الخاصة». في عماطور، عين مياه تُسمّى «عين العريش». سكبَها الشاعر ذوقان عبد الصمد في أغنية. ردّدها والدها وأبناء الجوار. مياهها ناطورةُ لقاءات الحَبيبن، وشفيعةُ الأصوات العذبة. خبّأتْ حنين هذه العين في عيون حنجرتها. غنّتها حاملةً حكايا عماطور، قصةَ غرام والديها وحلمَها الذي عربش من عين العريش ليروي ظمأَها إلى فنّ منفتحٍ على الحضارات وثقافاتها الموسيقيّة. تؤمن أن التحليقَ أبهى بجناحين. الأوّل عماطوريٌّ، ينظر إليه الأمس، ويطير مع أحبّاء نحو المستقبل. والثاني بيروتيّ. هو حليفٌ دائم في مدينة تُشبهها «بشعرها المفرود والمنكوش، بانعتاقها وأفقها الواسع».



تشرب باسكال مع بيروت فنجان عمرها



باسكال صوما: بيروت تصنعُنا حتّى حين لا نشعر بالأمر

منذ ثلاثَ عشْرةَ سنة، عبرَت ابنةُ رياق- حوش حالا حاجزَ ضهر البيدر، لتقضمَ من بيادر بيروت المملّحة. حملَت وجهَ والدَيْها و»تابرويرات» أمّها. وضعَتْ بينهنّ الأحلامَ، الدمعة، القلق، الظمأ، الورودَ، الغد وحبره. صافحتِ المدينةَ مصافحةً حقيقية مع أوّل مشوار إلى شارع الحمرا لاجتماع من أجل وظيفة: «تنقّلتُ بين الباصات والسرفيسات حتى أصل إلى قهوة «الكوستا» التي أقفلَت الآن. عرفتُ لاحقاً أنها كانـــــــت قهــــــــوة المثقّفين والشعراء».

مذّاك، تبدّلت بيروت وتغيّرت باسكال. تغيّرتْ نوعيةُ مكتبتها، إيقاع الجمل في نصّها، لون شعرها وقلمها، شكل الكعب الذي تنتعله لتهرب مع بيروت أو منها. «أحياناً نتباعد. فأشعر أنني لا أنتمي إليها. وأحياناً أرتمي فيها حتى أتنفّس». السيدتان رسمتا طريقين تتقاطعان وتفترقان. «فالعلاقات مع المدن تتطوّر». تلتقيان. تشربان فنجان قهوة تركية، برعاية وحضور البزر الإيراني أو المصري أو الفستق الحلبيّ. تتناقران أو تنسجمان. تقرآن مقالاً من مقالات باسكال عن بيروت. وبصحبة علبة بوشار أميركيّ، تشاهدان فيلماً. تختاران نوعه تبعاً لمزاج علاقتهما التي تتحكّم بها الظروف الخاصة والعامّة.

في بيروت «مدينة المغامرة والمتاهة» سمعَتْ باسكال صوتَها الداخليّ الذي أعطتْه المدينة «الانعتاق والفردية». يسمو صداه مع «الحرية والوحدة». على حدّ قولها: «هذا أهمّ اختبار يعيشُه المرء». فيفهم نفسه ويقرأ العالم بقانون تُشرّعه بيروت في مناهج الحياة، كمدينة تستوعب التناقضات والاختلافات.

في روايتَيها «أسبوع في أمعاء المدينة» و»مورينيا»، يتسيّد المكان عناصرَ الحبكة. «يضبط الإيقاع ويجمع الحكايات والاختلافات. وربما يكون ذلك في جزء منه إسقاطاً على بيروت أو أي مدينة كوزموبوليتانية أخرى». فكل مكان نعايشه، نكتشفه، نهادنه أو نحاربه يمرّر إلى جيناتنا «خصائصه، أزماته الوجودية والحياتية. فيَطْبَعُنا ونُطبِّع معه... وهكذا بيروت تصنعُنا حتّى حين لا نشعر بالأمر».

شظايا مرآة 4 آب

كانت بيروت تؤدي وصلتَها الصيفيّة. هزّت خصرها أمام مرآتها البحريّة. تمايلت على عصا تاريخها. فجأةً، ضاق نفسُها. تصاعد دخانُ الموت من فمها. انفجر قلبُها. وسقطت. كان هذا مساء الرابع من آب 2020. الانفجار كان جرس إنذار لباسكال: إنّها تحبّ بيروت وتتألّم معها. «تمنّيتُ لو أستطيع الانتقام». أَعدَّتْ «بيروت مش بس بيوت» فيلماً وثائقياً عن العاصمة ما بعد «4 آب». تناول التحوّلات الديموغرافيةَ والعمرانية. «كأنّهم أعطونا مدينة جديدة حتى ننسى بيروت التي كانت». أمّا حنين فتشدّد على أن بيروت تبقى صلبةً كأولادها. تتعب من أزماتها. لكنّها قويّة، متوهّجة. ستُهديها، عشيّة الذكرى الثالثة، أغنيةً جديدة: «بيروت حرّة. فاردة شعرها. وهوا البحر رح يبقى يدلّلو ويغنّجو».