تعود مسألة السيادة البحريّة في البحر الأسود مرّة جديدة إلى الواجهة، وهذه المرّة على لسان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي توعّد بعدم السماح للجيش الروسي بالسيطرة على البحر الأسود، ليعبّر بذلك عن التهديدات الروسية للأراضي الأوكرانية في حال انطلاق أي اعتداء روسي من البحر الأسود بإتجاه الجنوب الأوكراني الذي سيكون لصالح الجيش الروسي، الذي يمتلك أسطولاً بحرياً ضخماً في ميناء سيفاستوبول في شبه جزيرة القرم التي تسيطر عليها روسيا منذ 2014.
يكتسب البحر الأسود أهميته الإستراتيجية نظراً لأنه نقطة عبور مهمة بين أوروبا وآسيا، فضلاً عن أنه مفترق طرق يربط مناطق القوقاز وشرق البحر المتوسط والبلقان والشرق الأوسط، وهو ما جعله في صميم المنافسة الإستراتيجية بين روسيا والغرب، إذ وقعت 10 حروب مدمّرة على سواحل البحر الأسود أو بالقرب منه منذ نهاية الحرب الباردة، متفوقاً بذلك على أي منطقة بحرية أخرى في العالم. ولا يمكن فهم هذه الأهمية للبحر الأسود بمعزل عن موقعه الجغرافي والدول المطلّة عليه، وهي: روسيا، وأوكرانيا، وجورجيا، ورومانيا، وبلغاريا، وتركيا.
هذا التهديد الكبير للأمن الأوكراني والإقليمي وحتى لحلف «الناتو» بدأ قبل بدء الصراع الروسي - الأوكراني في 24 شباط 2022، خصوصاً بعد نمو القوّة العسكرية الروسية في البحر الأسود وحوله، إذ ترى موسكو أن التعدديّة الجيوسياسية في البحر الأسود بعد انتهاء الحرب الباردة تتعارض مع مصالحها، خاصة في ظل جهود «الناتو» لاحتواء روسيا داخل ساحلها الشمالي الشرقي.
لذلك، بدأت روسيا الاستفادة من النزاعات حول حدودها لتعزيز وجودها العسكري، ومنع جيرانها الأصغر من تحقيق التكامل الأوروبي - الأطلسي، وردع التدخل الخارجي في المنطقة، حيث غزت القوات الروسية جورجيا في آب 2008 ونشرت أكثر من 4 آلاف جندي في المنطقة الساحلية في أبخازيا، والتي أعلنتها موسكو دولة مستقلّة، كما ضمّت أيضاً شبه جزيرة القرم في عام 2014، ما أدّى إلى تغيّر ميزان القوى الإقليمي لصالح روسيا، والتي استولت على الأصول البحرية الأوكرانية في القرم واستثمرتها في بسط نفوذها وسيطرتها على منطقة البحر الأسود.
وبالنظر إلى الدور الجوهري لهذا البحر في العمليات العسكرية الروسية في سوريا، وطموحات الكرملين الأوسع في شرق البحر المتوسط، فقبل قرار تركيا في أيار 2022 بإغلاق مضيقَي البوسفور والدردنيل أمام السفن الحربية، إستقدم أسطول البحر الأسود الروسي الجزء الأكبر من القدرات لسرب البحر المتوسط، الذي أعادت روسيا تشكيله في عام 2013 للمرّة الأولى منذ نهاية الحرب الباردة خلال الصراع في سوريا، لذلك تطمح روسيا بالسيطرة أو إمتلاكها اليد العليا في البحر الأسود.
ومع تزايد التداعيات الإستراتيجية لحصار أوكرانيا وسيطرة روسيا على الساحل الشمالي للبحر الأسود، لا يزال طموح روسيا الإستراتيجي يتمثل في جعل أوكرانيا غير ساحلية، فلا تستطيع التصدير أو الاستيراد عبر موانئها على البحر الأسود، بكل ما يحمله ذلك من تداعيات سلبية ليس فقط على أوكرانيا، ولكن على الدول المُطلة على البحر الأسود ومستوردي السلع الأوكرانية. لذلك، فإن قدرة موسكو على خنق التجارة من موانئ أوكرانيا لا تزال توفر لها نفوذاً للضغط من أجل إنهاء العقوبات الغربية المفروضة عليها.
تفرض محاولات روسيا عسكرة البحر الأسود ضغوطاً كبيرة على أمن الدول الساحلية في المنطقة، خاصة في ظل انعدام وجود رؤية مشتركة في ما بينها لكيفية مواجهة تداعيات السياسات الروسية، حيث تُعدّ الدول الساحلية- باستثناء تركيا- ضعيفة نسبياً، وجميعها تواجه تحديات كبيرة تتعلق بسيادة القانون، والفساد، والنفوذ الروسي، والاعتماد الاقتصادي على روسيا خاصة في مجال الطاقة. لذا، ففي الوقت الذي تكافح فيه أوكرانيا من أجل بقائها في الحرب التي تخوضها أمام روسيا، تشعر مولدوفا وجورجيا ورومانيا وبلغاريا وتركيا بالقلق من احتمال حدوث عدوان روسي في المستقبل.
عسكريّاً، إنّ الدول المطلّة على البحر الأسود ضعيفة باستثناء تركيا التي لا تريد معاداة روسيا للحصول على الفرص الاقتصادية والدعم السياسي، لذلك فإنّ الجيش الأوكراني الذي يطمح بحماية البحر الأسود من السيطرة الروسية أو على الأقل حماية شواطئه من الإنزالات الروسية، لن يستطيع صدّ أي هجوم روسي مرتقب من خلال الأسلحة المقدّمة من الغرب، إلّا بمساعدة الولايات المتحدة التي نادراً ما تتواجد أي قوّة بحرية لها هناك وبالطبع لا تريد أي مواجهة عسكرية مع روسيا. لذلك، يمكن أن يكون محور الهجوم الروسي القادم منطلقاً من البحر الأسود بإتجاه الشواطئ الأوكرانية الجنوبية في حال نجاح الهجوم الأوكراني المضادّ، وسيكون لصالح روسيا عسكريّاً.