رامي الرّيس

واشنطن وطهران: ملاكمة أم مهادنة؟

3 دقائق للقراءة
ما زالت الشكوك بين واشنطن وطهران كبيرة (أ ف ب)

توالت الأنباء في الأسابيع الأخيرة عن مفاوضات سرّية بين الولايات المتحدة وإيران لإعادة إنعاش الإتفاق النووي الذي خرجت منه واشنطن آحاديّاً سنة 2018 بعد ثلاث سنوات من توقيعه عقب مفاوضات شاقة استمرت لسنوات طويلة. وبطبيعة الحال، يثير هذا الأمر إسرائيل وعدد من الدول التي لا ترغب برؤية انبعاث الاتفاق من الموت بعد دفنه.

وثمّة عناصر عديدة تدفع واشنطن للذهاب في هذا الاتجاه لعل في طليعتها الانتخابات الرئاسيّة المرتقبة في العام 2024 والتي يعتزم الرئيس الأميركي جو بايدن خوضها مجدداً غير آبه لعامل تقدّم السن أو لإحتمالات الخسارة، خصوصاً أن ولايته لم تشهد إنجازات سياسيّة أو إقتصاديّة كبرى يمكن أن يوظفها لمصلحة إعادة انتخابه.

لذلك، تعتبر إدارة الرئيس بايدن أن إنجاز هذا الاتفاق مع طهران من شأنه أن يتيح لها التفاخر بأنها «منعت» إيران مجدداً من تصنيع السلاح النووي أو أنها أخّرت إتمامه لسنوات إلى الأمام، علّها بذلك تتمكن من «ترويض» إيران والانصراف للاهتمام بملفات لا تقل أهميّة وفي مقدمها التصدي للصعود الصيني ومواصلة الحرب التجارية والاقتصاديّة مع بكين.

وبموازاة هذا الهدف الاستراتيجي، تسعى واشنطن للإفراج عن السجناء والمعتقلين في إيران وبذلك تحقق نصراً ديبلوماسيّاً أكيداً، نظراً لاهتمام الرأي العام الأميركي بهذه المسائل أكثر من إهتمامه حقاً بالملفات الاستراتيجيّة في قضايا العلاقات الخارجيّة المعقدة التي لا يعيرها الأميركيون الكثير من الاهتمام.

وإذا كان الإحتواء السياسي من خلال إنعاش الاتفاق له فوائده المذكورة أعلاه، فثمّة أيضاً فوائد عسكريّة وأمنيّة لا تقل أهميّة مثل وقف الاعتداءات المتكررة للفصائل الموالية لطهران على القوات الأميركيّة في سوريا أو سواها، وهذه مسألة تدخل كذلك في الحسابات السياسيّة لواشنطن وطريقة تعاملها مع ملفات المنطقة والشرق الأوسط.

أما على المقلب الإيراني، فإن الهدف الأساسي المتمثل في طموح حكومة طهران لتخفيف العقوبات الاقتصاديّة المفروضة منذ سنوات والتي تسبب الإختناق الكبير للاقتصاد والمجتمع الإيراني في الكثير من قطاعاته والتي بات رفعها حاجة ضرورية، لا سيما على ضوء التململ الشعبي الذي يتصاعد ثم ما يلبث أن يخفت نتيجة القسوة في التعاطي مع المتظاهرين والاحتجاجات الشعبيّة.

كما تسعى طهران من خلال هذا الاتفاق الجديد، إذا ما تم التوصل إليه، إلى رفع القيود عن الأموال الإيرانيّة المجمدة، وهي تقدّر بمليارات الدولارات والتي تحتاجها إيران لإنعاش اقتصادها المتهالك ولإعادة تعويم أذرعها العسكريّة والأمنيّة في المنطقة ومدّها بالدعم اللازم بما يعزّز نفوذها، لا بل يكرّسه كلاعب إقليمي كبير.

وإذا كانت بعض الجهات المتشددة داخل إيران تعترض على إعادة إحياء الإتفاقيّة وتطالب بمزيد من السياسات المحافظة، فثمّة جهات أخرى في الداخل الإيراني التي تعتبر أن الاتفاق هو منصة عبور رئيسيّة نحو حقبة جديدة، تتمكن من خلالها طهران من فتح علاقاتها الخارجيّة التي تشهد توترات منذ الثورة سنة 1979 ووصلت إلى حالات من القطيعة في الكثير من المراحل، لا سيما مع الولايات المتحدة والغرب عموماً.

على قدر ما يبدو أن الطرفين يسيران بخطى بطيئة ومتحفظة نحو إتمام الاتفاق القديم - الجديد، على قدر ما زالت الشكوك بين الطرفين كبيرة، خصوصاً لناحية طبيعة المرحلة المقبلة وأولويات كل طرف في التعاطي معها وفق مصالحه وحساباته الخاصة. بإنتظار ذلك، تبقى «الساحات» مباحة للطرفين لتبادل كل أنواع الرسائل.