إعترفت كييف بأن هجومها المضادّ، الذي بدأ قبل 6 أسابيع بعد انتظار دام طيلة فصل الربيع، تباطأ بسبب الصعوبات التي تواجهها القوّات الأوكرانية في أرض المعركة بعد زرعها بالألغام الروسية منذ الإعلان عن نية الجيش الأوكراني بالهجوم المضاد في فصل الشتاء، ونوعية الأسلحة الغربية المقدّمة من دول الناتو التي تعتبر مثالية في العمليات الدفاعية وليس الهجومية، وبالتالي فقد استفاد الجيش الروسي من المماطلة الأوكرانية لبناء أقوى التحصينات على خطوطه الدفاعية التي لا يمكن لهذه الأسلحة تصديعها.
يعرف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنّ هناك عقبات عدّة تحول دون التقدّم الأوكراني لإستعادة الأراضي المحتلّة من قبل جيشه، منها لأسباب عسكرية متعلّقة بنوعية الأسلحة الغربية ومنها سياسية دولية، لذلك يعمد إلى التسويق إعلامياً عبر نائب رئيس مجلس الأمن الروسي ديمتري ميدفيديف، بإنهاء العملية الخاصة في أوكرانيا عبر توقيع معاهدة سلام بين الطرفين وإعتبار الأقاليم الأربعة الأوكرانية المحتلّة أراضي روسية، أو اللجوء إلى الحسم النووي كما فعلت الولايات المتحدة في اليابان عام 1945 لإنهاء الحرب العالمية الثانية.
يأتي هذا التسويق الروسي بعد الإتهامات المتبادلة بين الطرفين حول إمكانية تفجير أكبر محطة نووية أوروبية في زابوريجيا، حيث السيطرة الروسية، ما يؤكد نية الجيش الروسي باللجوء إلى الحسم النووي، لكن هذا التهديد الروسي سيطال الأراضي الروسية والجيش الروسي المنتشر في الأراضي الأوكرانية، لذلك فإنّ هذا التهويل الدائم من قبل الروس لا يمكنهم تطبيقه ويبقى ضمن الحرب النفسية الذي يشنّها على الشعب الأوكراني بالدرجة الأولى والعالم بالدرجة الثانية.
لذلك يبقى الحسم العسكري أو توقيع إتفاق لإنهاء الحرب، فيما يتطلب اختراق دفاعات الجيش الروسي امتلاك القوات الأوكرانية المهاجمة أسلحة صاروخية ومدفعية بعيدة المدى وقوات مدرّعة إضافية، فضلاً عن زيادة إمدادات المدفعية ذاتية الدفع والدبابات والمروحيات الهجومية ونقل العتاد وسلاح المهندسين، والأهم هو الحصول على غطاء جوّي للمشاة المهاجمين من خلال طائرات «أف 16».
على مستوى الصواريخ الهجومية والدفاعية، تأتي منظومة «باتريوت» الأميركية في المرتبة الأولى، فقد استطاعت التصدّي لأقوى الصواريخ الفرط صوتية الروسية من نوع «كينجال»، لكن لا تمتلك أوكرانيا أعداداً كبيرة من هذه الأنظمة تمكّنها من نشرها على كامل الأراضي الأوكرانية، فضلاً عن صواريخ بعيدة المدى «هيمارس 60» بمدى أقصى 80 كلم، لكن أوكرانيا طالبت بصواريخ بمدى أبعد من ذلك، فأتى عدد قليل من صواريخ «ستورم شادو» البريطاني الباهظة الثمن، التي يصل مداها الأقصى إلى 250 كلم.
تمتلك أوكرانيا مدرّعات متطوّرة مقدّمة من الغرب مثل دبابة «أبرامز أم 1» أميركية الصنع و»تشالنجر 2» البريطانية، فضلاً عن ناقلات الجند المدرّعة من نوع «برادلي» الأميركية، لكن القوات الأوكرانية تواجه صعوبة تحريك هذه المدرّعات لتصديع الدفاعات الروسية التي بنيت لتتمكّن من تثبيت هذه المدرّعات. لذلك عدم الإستفادة الأوكرانية من عامل المفاجأة في شنّ الهجوم المضادّ، أعطى الجيش الروسي فرصة ذهبية لتقوية دفاعاته المناسبة.
تعتبر الولايات المتحدّة من أكثر الدول المانحة عسكرياً في الحرب الأوكرانية، لكن معظم الأسلحة الأميركية المقدّمة تعتبر دفاعية، ونسبةً لميزان القوّة تريد تقريب التوازن بين الجيشين الروسي والأوكراني، ما يبيّن نيّة الإستنزاف الذي سيطول عسكرياً، قبل الوصول إلى طاولة المفاوضات لإبرام أي معاهدة تنهي الحرب. سياسة الإستنزاف يؤكّدها عزم الولايات المتحدة إرسال ذخائر عنقودية إلى أوكرانيا لمساعدتها في محاربة الغزو الروسي، التي تطلقها مدافع «هاوتزر» عيار 155 ملليمتراً.
تحثّ أوكرانيا أعضاء الكونغرس على الضغط على إدارة بايدن للموافقة على إرسال ذخائر عنقودية التي تحظرها أكثر من 120 دولة، وتعرف باسم الذخائر التقليدية المحسنة ثنائية الغرض، التي تطلق عدداً كبيراً من القنابل الصغيرة لتقتل أشخاصاً على مساحة كبيرة بشكل عشوائي، ما يُهدّد حياة المدنيين، وتشكّل القنابل الصغيرة التي لا تنفجر خطراً يدوم لسنوات بعد انتهاء الصراع.
بالرغم من وجود قانون أميركي صدر عام 2009 يحظر تصدير الولايات المتحدة الذخائر العنقودية التي تتجاوز معدلات فشل القنابل الصغيرة فيها الواحد في المئة، وهو ما ينطبق تقريباً على كل مخزون الجيش الأميركي، فإنّ بوسع بايدن تجاوز الحظر كما فعل سلفه دونالد ترامب في كانون الثاني 2021 للسماح بتصدير تكنولوجيا الذخائر العنقودية إلى كوريا الجنوبية، فأتى تصريح متحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» أن إدارة بايدن تبحث إرسال الذخائر المحسنة إلى أوكرانيا، ولكن فقط التي تقل معدلات الفشل فيها عن 2.35 في المئة.
هذه الذخائر وإن تمّ إطلاقها على المناطق الأوكرانية المحتلّة، لن تعيق الجيش الروسي الذي يريد البقاء فيها فقط، فهي ستعيق تقدّم الجيش الأوكراني في هجومه المضادّ، لذلك فإن إستخدام هذه الذخائر في هذه المناطق يؤكّد أنها ستكون منطقة عازلة، بين الجيش الروسي والجيش الأوكراني وخلفه «الناتو»، لذلك يبقى السؤال: إلى أين ستطلق هذه الذخائر؟ وهل ستساعد الجيش الأوكراني في هجومه المضادّ؟