كلمة دمى في لبنان ليست جميلة، ولا هي مستساغة. هي غالباً للتقليل ممّن يُوصَف بها. فهذا، وفق الاستخدام الشائع، مُقادٌ يُحرِّكه شخصٌ آخر. ويزعم اللبنانيّات واللبنانيّون أنّهم لا يحبّون هذا النوع من الأشخاص غير المستقلين وغير الناضجين. ولا يُخفى الميل، ولو ادعاءً، إلى الرغبة في أن يكونوا محرِّكي الدمى لا الدمى نفسها.
على الرغم من ذلك، فإن العاملين في مسرح الدمى، في لبنان، قلّةٌ قليلة. وبمعزلٍ عمّا إذا كان ذلك اختباراً لزعم اللبنانيات واللبنانيين ذاك، يمكن القول إنّ تلك القلّة القليلة مكفّية وموفّية.
قلّة قليلة، في مقدّمها المخرج والكاتب والأستاذ الجامعي كريم دكروب، جعلت في لبنان مسرحاً للدمى.
ليس عدد الأعمال التي قدّمها هذا المسرح هو ما يدفع إلى هذا القول الواثق.
وليست نوعيّة تلك الأعمال، وهي ذات جودة واحتراف عاليين، هي السبب أيضاً.
ولا هو السبب إصرار تلك القلّة القليلة ومواجهتها التحديات والصعوبات.
ما يجعل قول «إن في لبنان مسرحاً للدمى» قولاً مبرراً، هو أن تلك القلّة القليلة اختارت أن تُمأسِس عملها.
مواهبُ وكفاءاتٌ كان يُمكن أن تُبدّد، أن تُحبَط، أن تُهاجر، إلّا أنّها اجتهدت وكافحت وتحمّلت وتواضعت. فامتلكت إمكانية بل قدرة أن تبقى في هذه البلاد القاسية، وأن تبدع وتنتج وتَفرح وتُفرح.
صحيح أنّ تلك المؤسسة، «جمعية خيال»، ليست أسطولاً أو محفلاً أو هرماً من الإدارات والموظّفين والموظّفات، إلا أنّها بتواضعها نظّمت بناءها واستمرارها. وهذا ما مكّنها من الإنتاج والعرض. وهو ما مكّنها من تقديم قديمها وجديدها (مسرح دوار الشمس- الطيونة). كذلك هو ما مكّنها من جذب جمهور من أجيال عدّة. فهناك آباء وأمّهات حضروا أعمال مسرح الدمى حين كانوا أطفالاً، وهم يرافقون أبناءهم للتفرج على الأعمال نفسها وغيرها الطازج.
قبل مسرح الدمى اللبناني، عرفت بيروت «فرقة السنابل». تفرّج صغارٌ وكبارٌ على عرائس تتحرّك بخيطان نصوص مهى نعمة ونجلا جريصاتي خوري. لكنّ هذه التجارب الرائدة التي ولدت إبّان الحرب وقاومت القتال والعنف والعبث لم تستمرّ لأسباب عديدة، أهمّها أنّها لم تتمأسس. وهو ما تحاول القلّة القليلة اليوم الإفادة منه وعدم تكراره. وتتحمّل لأجل ذلك أعباء ضخمة منها البقاء في بلد متوتّر قاسٍ على الإبداع المستقلّ.
كريم دكروب، والقلة القليلة معه، يستحقّان التحيّة. فعلاً، هذه المواهب والكفاءات الفنيّة أضافت إلى خبراتها ملكة التمرّد على الموت الذي يُشاء أن يُعمَّم في مدننا وقرانا، لدى الكبار والصغار.
ولا يظهر ذلك ويتجلّى في تلك المؤسسة المتواضعة فحسب، ولا في مواصلتها النضال فحسب، بل في مستوى منتجها الذي يطرح المسائل والأسئلة الكبرى لعلّه يحرّك الدم.