منذ أكثر من ثلاثين عامًا، يسير كريم دكروب مؤسِّس "مسرح الدمى اللبناني - خيال"، في دربه الفني بخطوات ثابتة، صانعًا عالمه من الخشب والقماش، ومواصلًا رسالة هذا المسرح بمفرده في بلد يفتقر الفن فيه إلى الدعم الرسمي. حمل دكروب "دُماه" منذ أيام، وتوجّه إلى عمّان حيث يشارك في فعاليّات "مهرجان الأردن المسرحي الثلاثين" الذي انطلق في 6 تشرين الثاني الجاري ويستمر حتى 14 منه، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى الصين. فماذا في التفاصيل؟
"بخلاف دول عربيّة أخرى، مثل تونس ومصر والعراق وسوريا، يفتقد لبنان إلى مسرح قومي أو إلى دعم من وزارة الثقافة، لذلك يعتمد المسرحيّون فيه على المبادرات الفردية، وهذا ما يجعل التجربة أكثر صعوبة، رغم أنها تكون في المقابل أكثر حريّة"، بهذه العبارة يلخص المخرج كريم دكروب واقع أهل المسرح في بلدنا. ويشرح في حديثه مع "نداء الوطن" أن "الحفاظ على النوعية الفنية هو ما ضمن استمراريّة هذا المسرح، إلى جانب التصميم الجيّد والانفتاح على العالم العربي والدول الأخرى".
المسرح بالنسبة لكريم دكروب لم يكن يومًا ترفًا، بل حاجة وجودية للباحثين عن اللقاء والتفاعل الحيّ بعد عزلة التكنولوجيا، ويوضح أن "رغم كلّ التطور التقني والذكاء الاصطناعي، يزداد الطلب على المسرح، لأن الناس تعبوا من التواصل الافتراضي ويبحثون عن تواصل مباشر، والمسرح يعيد إليهم هذا البُعد الإنساني الذي فقدوه، بالأخصّ مسرح الدمى، الذي يلبّي هذه الحاجة تحديدًا لأنه يشبه في جوهره اللعب الأول عند الطفل، أي التواصل الفوري والبصري المباشر مع الواقع". ومسرح الدمى، بالنسبة لدكروب، جاذب الأطفال لكونه حاضرًا أمامهم بالأبعاد الثلاثة، في اللحظة نفسها، ولكون التفاعل مباشرًا بين الممثلين والجمهور. وهذه العلاقة الحيّة لا يمكن لأيّ شاشة أن تعوّضها.
نمط بصريّ خاص
نسأل كريم دكروب عن اللغة الإخراجية التي ميّزت أعمال "مسرح الدمى اللبناني - خيال"، فيجيب أن مسرحه أسّس لنمط بصريّ خاص أصبح علامة فارقة. ويشرح: "ثمّة لغة إخراجية باتت مكرّسة في هذا المسرح، تعتمد على دمج تقنيات مختلفة بين تحريك الدمى والممثل والراقص، وبين السينوغرافيا المتحركة والموسيقى والأزياء. لكلّ عرض أسلوبه الخاص المنسجم مع نصّه، لذلك يمكن للجمهور أن يتعرّف على أعمالنا من مشهد أو صورة واحدة فقط"، مشيرًا إلى أن "هذه اللغة باتت موضوع أطروحات أكاديمية داخل لبنان وخارجه، ما يؤكد أنها لغة لبنانيّة قائمة بذاتها في مسرح الدمى". ويلفت دكروب إلى أهمية موسيقى الفنان أحمد قعبور في تشكيل هوية "مسرح خيال".
إلى الأردن فالصين
يتوقف دكروب عند مشاركته الجديدة في "مهرجان الأردن المسرحي الثلاثين" الذي تنظمه وزارة الثقافة الأردنيّة من 6 حتى 14 تشرين الثاني الجاري، مشيرًا إلى أن مشاركته فيه يشكّل امتدادًا طبيعيًا لعلاقته الطويلة مع الساحة الفنية الأردنية. ويتابع: "تسعدني المشاركة هذه السنة في المهرجان من خلال ورشة بعنوان "الإخراج لمسرح الدمى" تُقام في "المركز الثقافي الملكي" بمشاركة فنانين شباب من الأردن وعدد من الدول العربية. هذه الورشة بالنسبة لي مساحة لتبادل الخبرات وفتح آفاق جديدة أمام الجيل المقبل من المبدعين في فن الدمى".
ارتباط الأستاذ الجامعي والمُخرج كريم دكروب بالأردن ليس وليد لحظة، بل ثمرة تعاون فني وثقافي مستمر منذ أكثر من ثلاثة عقود. فمنذ أكثر من ثلاثين سنة يزور دكروب الأردن بانتظام، حيث "عرضنا هناك معظم أعمالنا المسرحية ونلنا جوائز عدّة في مهرجانات عمّان، وكانت العلاقة دائمًا مثمرة ومليئة بالتفاعل الإنساني والفني". يضيف: "التعاون شمل أيضًا مؤسسات ثقافية مختلفة مثل "المركز الوطني للفنون الأدائية" بإدارة المخرجة لينا التل، و "مركز هيا الثقافي"، و "متحف الأطفال في عمّان". فالمملكة الأردنيّة أثبتت على الدوام أنها بيئة حاضنة للفن والتجريب، ومكان يلتقي فيه المسرحيّون العرب لتبادل المعرفة والخبرة".
وينتقل دكروب ليحدّثنا عن تجربته الدوليّة الأخرى، حيث أن رحلته الفنيّة بعد الأردن ستقوده إلى الصين. هناك سينطلق في تنفيذ مشروع جديد يعتبره محطة مفصلية في مسيرته. ويتابع: "أتوجّه إلى الصين لتحضير النسخة الصينية من مسرحية "ألف وردة ووردة". هذه الخطوة بالنسبة إليّ مهمّة جدًا، لأنها المرّة الأولى التي يُقدَّم فيها عمل لبناني بهذا الفن في الصين، البلد العريق في تقاليد مسرح الدمى".
يشرح كريم دكروب أن التعاون مع فرقة صينية متخصّصة يمنح العمل حياة جديدة، فقد "قدّمنا هذه المسرحية سابقًا في الصين منذ سنوات، ولاقت حينها تجاوبًا كبيرًا من الجمهور، إلى درجة أن الصينيّين طلبوا تقديم نسخة بلغتهم. هذا النجاح أعتبره دليلًا على أن لغة الدمى لغة إنسانية تتخطى الحدود، وأن لبنان رغم صغره قادر على تصدير فنه إلى العالم".
هذا المشروع يفتح الباب أمام تجارب عربية أخرى يمكن أن تجد طريقها إلى الساحات الدولية، يقول دكروب، مشدّدًا على أن "من الجميل أن نُصدِّر ثقافتنا بدل أن نكتفي باستيرادها، وأن نجعل العالم يرى صورة مشرقة عن الفن العربي". ويختم في هذا الإطار بالقول: "أتمنى أن تكون هذه التجربة بداية لمسار جديد يجعل من "مسرح الدمى اللبناني" جسرًا حيًّا بين الشرق والغرب، لأن الفن الحقيقي لا وطن له، بل يحمل إنسانيّته أينما ذهب".
بدايات وتحديات
لكن كيف كانت بدايات كريم دكروب في هذا النمط الفني المسرحي؟ يعيدنا صاحب "شو صار بكفرمنخار؟" إلى طفولته في بيروت خلال سبعينات القرن الماضي، حين كان يشارك في أنشطة تربوية فنية مع الفنانة الراحلة مها نعمة في "النادي الثقافي العربي". "كنا كأطفال نعمل في المسرح والرسم والموسيقى، تحت إشراف المايسترو سليم سحاب الذي درّبنا على الموسيقى المسرحية، وكنا نؤلف ونلحّن ونعزف بأنفسنا. هذه التجربة زرعت في داخلي حبّ المسرح".
تلك المحاولات، إلى جانب تأثره بأعمال "فرقة السنابل"، صاغت علاقة كريم دكروب المبكّرة بمسرح الدمى قبل أن يتخصص فيه أكاديميًا. يقول: "التحديات كانت هائلة، إذ واجهتُ فترات كاد فيها المشروع أن ينهار بالكامل، لكنني كنت مصرًّا على الاستمرار. وفي ظلّ غياب أيّ دعم مؤسَّسيّ، "مسرح الدمى اللبناني" يموّل نفسه بنفسه، فعروضنا هي التي تموّل المسرح وتؤمّن استمراريّته، لذلك نحن بحاجة للاستمرار في عروضنا والمحافظة على جمهورنا".
ويلفت دكروب إلى أن "مسرح الدمى لم يُخلق أصلًا للأطفال بل للكبار، وأنا أيضًا قدّمت أعمالًا للكبار، وأدرّس طلّابي في الجامعة كيف يُعدّون عروضًا للكبار، لأن هذا المسرح قادر على تناول نصوص عالمية مثل شكسبير والتراجيديا والكوميديا، وبالتالي هو ليس محصورًا بالأطفال". يضيف: "المعاصرة عنصر أساسيّ في أعمالي، ليس فقط في التقنيات، بل في المواضيع أيضًا. فنحن ندخِل عناصر معاصرة في القصص، سواء استلهمَت التراث أو الواقع اليومي، فهموم الأطفال هي هموم أهلهم والمجتمع، لذلك المسرح الذي نقدّمه يحمل دائمًا رسالة فكرية وثقافية وإنسانية". ويُذكّر دكروب أن "مسرح خيال" كان من أوائل المسارح العربية التي استخدمت الفيديو والتقنيات الرقمية في عروض الأطفال، "ففي عام 2005 قدّمنا "ألف وردة ووردة" التي كانت من أوائل المسرحيات التي دمجت الفيديو في السينوغرافيا".
يرى دكروب أن استخدام التكنولوجيا في المسرح لم يكن غاية بل أداة، موضحًا: "نستخدم التقنيات الحديثة فقط عندما تحتاجها الرؤية الإخراجية، وليس لأن الزمن يتقدّم. أحيانًا نعرض مسرحيات بسيطة مثل "شتي يا دني صيصان" التي يمكن تقديمها في أي مكان من دون أي تجهيزات، وأحيانًا أخرى نلجأ إلى التكنولوجيا المعقدة بحسب طبيعة العمل".
حلم مُخرج
لكن ماذا عن واقع الفنانين العاملين في هذا المجال في لبنان؟ يجيب: "قليلون جدًّا من يستمرّون في مسرح الدمى، لكونه ليس مصدر دخل ثابت دائمًا، كما إنه يحتاج من الفنان إلى شغف استثنائي وإصرار كبير". لكن في المقابل يرى كريم دكروب أن التجارب الجديدة في العالم العربي كانت مشجعة، مشيرًا إلى أن "تونس إلى جانب لبنان، تُعتبر من الدول الرائدة اليوم، كذلك مصر، التي شهدت التجربة الأكثر عراقة في مسرح الدمى في ستينات القرن العشرين. كما أن هناك تجارب مهمّة في سوريا رغم الظروف الصعبة". ويختم مؤكّدًا رغبته في تحويل مسرحه إلى مؤسسة تستمر بعده، قائلًا: "أحلم أن تبقى أعمالنا تُعرض خمسين سنة ومئة سنة بعدنا. المسرح لا ينبغي أن يموت بموت أصحابه. المهم أن يبقى الفن حيًّا، لأن حدود المسرح ليست المدينة بل العالم كلّه".
