سناء الجاك

سكّة رياض سلامة... أم سكّة السلامة؟!

4 دقائق للقراءة

بارعون ومبدعون أولئك الذين يتحكّمون بالمنظومة. لا أحد يضاهيهم في إبهارنا بأرانبهم عندما يتطلّب الأمر إيجاد مخارج للأزمات والكوارث التي ينكبون الشعب اللبناني بها.

والأرنب المِغناج الذي تفتقت عنه قريحتهم في اليومين الماضيين، تمثّل بما وصف أنّه «البيان الصادم الذي أصدره النواب الأربعة لحاكم المصرف المركزي»، وكأنّه جرس إنذار من خارج هذه المنظومة وبمواجهتها.

لكن القليل من التمعّن في هذا البيان يفرض قراءته بمقاربة معكوسة تماماً لإشارة النواب الأربعة للحاكم، الذين قيل إنهم أبلغوا مرجعياتهم السياسية والطائفية «بصعوبة إدارة التعامل مع الفراغ في موقع رأس الهرم في السلطة النقدية في ظل الظروف الحاضرة»، واعتمدوا للتبليغ أسلوباً «جديّاً» صرفاً، و»مهنيّاً» إلى أقصى الحدود لإحداث الصدمة المطلوبة للسلطة السياسية المتلكئة عن تعيين حاكم جديد للمصرف المركزي، بسبب «تفاصيل تافهة» تتعلق بتعطيل انتخاب رئيس للجمهورية، إلا بما يناسب استراتيجية الحاكم بأمره.

هنا ربما يجب التوقف عند «الجديّة» المفتعلة في ثنايا مضمون البيان لتصويب المقاربة. فالمنطق يفرض عكس الآية، وفق معطيات الإجرام القذر الكامنة في أداء المنظومة، ويُرَجِّح أن تكون المرجعيات السياسية الطائفية للحكام الأربعة، هي من أبلغتهم بوجوب إصدار هذا البيان لغايات لم تعد خافية إلا على السذج في فهم مجريات الأمور ومعالجة الاستحقاقات.

فموقف نواب الحاكم ينبض بالتوافق مع أولياء أمورهم. ونتائجه ستظهر للعيان، سواء تعلق الأمر بمسارعة حكومة تصريف الأعمال برئاسة نجيب ميقاتي، وخلال أسبوعين، إلى تعيين حاكم جديد بموافقة وتوقيع الوزراء جميعهم، ولكن بما لا يلغي إثارة «الحزازات» الطائفية عن حقوق «المسيحيين الموارنة» المهدورة في كل الوظائف المخصصة لهم...

أو بإضافة فراغ مدمر إلى الفراغات الراهنة وإطلاق العنان لتداعيات فوضى مالية ومصرفية فظيعة من شأنها أن تنهي انتظام المؤسسات الرسمية وتقطع الرواتب على الموظفين وتشل القلّة القليلة من وظائف الدولة المحتاجة إلى تمويل من مصرف لبنان، والأهم، انها تسمح لسماسرة الدولار تكديس أرباح إضافية.

أو يبقى الخيار المؤلم الذي لا يحبذه أي فريق سياسي يحاضر بالعفة، ولكنه يمثل الوسيلة الوحيدة لحماية المصلحة العامة، والقاضي بالتمديد للحاكم الحالي المطلوب دولياً لأنّه الرأس المدبر لمتهمين يشكّلون «عصبة أشرار إجرامية وتبييض أموال في إطار عصابة منظمة». ولكن يبدو أنّ للضرورة أحكامها... بالتالي لن يبدو مفاجئاً أن يتحفنا البارعون في المنظومة بتعديل استثنائي للقانون بغية إطالة ولاية سلامة لفترة منظورة.

وبالطبع قد يضحي سلامة من أجل هذه المصلحة العامة التي كانت آخر همومه، فيتراجع عن تصريحاته السابقة وتكراره جهوزيته للخروج من المعادلة، وتخلّيه عن منصبه، وما يمنحه إياه من حصانة، فقط في لبنان، ومن صلاحيّات ماليّة ونقديّة يقايض بها شركاءه في الانتهاكات مقابل الحماية التي يتمتّع بها اليوم، والتي تسمح له- وحتّى إشعارٍ آخر- بالتملّص من كل الملاحقات القضائيّة التي تجري في الخارج. ولعلّ التمديد يُرضي الجميع من البارعين والمبدعين في هذه المنظومة، ويحل لهم مشكلتهم، بالطبع من دون أي اهتمام بمشكلة لبنان واللبنانيين. ولطالما برهن سلامة قدرته على ذلك، فإجراءات مصرف لبنان أكلت أكثر من خمسين في المئة حتى الآن من مدّخرات أصحاب الودائع المتواضعة.

أمّا تطبيق القانون، وفقاً لأحكام المادّة 27 من قانون النقد والتسليف، التي تشير بصراحة إلى أنّه «بحال غياب الحاكم أو تعذّر وجوده يحل محلّه نائب الحاكم الأوّل»، فهو ممنوع. لذا جاء بيان النواب الأربعة للحاكم، ليكرّس سكة رياض سلامة في نمط تفليس البلد، وليس اتباع سكة السلامة الكفيلة بوقف الانهيار.