ما الذي يجمع بين التركيبة السياسية في لبنان وتنظيمات الاسلام السياسي في الشرق الاوسط ومجمل آسيا وأفريقيا؟ شيء واحد، مهما بدا السؤال غريباً وحتى مستغرباً: منهجية الشغل. والباقي على طرفي نقيض. تنظيمات الاسلام السياسي المؤمنة بالعنف ليست على موجة واحدة، فهي تتبادل التكفير بين المذاهب وبين بعضها البعض في المذهب الواحد. وهي توظف تأويلات مختلفة خاطئة للدين في تبرير الارهاب وتكفير المجتمعات وأهل الديانات الأخرى تحت عنوان العمل لفرض "الحكم الإلهي". لكنها تلتقي على استخدام كل الوسائل الممكنة لتحقيق الهدف ضمن منهجية مرحلية: "النكاية، ادارة التوحش، والتمكين".
والتركيبة السياسية في لبنان لا تنام تحت لحاف واحد. فهي تختلف في المواقف الى حد الحرب او أقله الإلغاء والإقصاء والتهميش. وهي توظف العصبيات الطائفية في خدمة مواقعها، سواء داخل السلطة او خارجها. لكن ما تشترك فيه، الى جانب الحرص على عرقلة الانتقال من ضيق السلطة الى رحابة الدولة وابقاء مشروع بنائها كلاماً في الهواء، هو العنف السياسي. وهي تتفوق على تنظيمات الاسلام السياسي ومرحلية عملها، بحيث تمارس في وقت واحد سياسات "النكاية وادارة التوحش، والتمكين".
ذلك ان الحرب الكبيرة على كورونا لم توقف الحروب الصغيرة في سياسة النكاية. لا فقط بين الخصوم بل ايضاً بين الحلفاء. ألم يقل هنري ادامز "ان السياسة هي التنظيم المنهجي للحقد؟" وإدارة التوحش هي حالياً في أعلى المراحل: تضييع أموال المودعين بعد السطو على المال العام. أهل السلطة اقترضوا المال الخاص لسد العجز في الانفاق على الهدر والفساد والبطر. المسؤولون في المصارف قامروا بأموال المودعين في كازينو مفلس لقاء فوائد باهظة لحسابهم وحساب المودعين الكبار من النافذين. ومصرف لبنان أدار العملية و"هندسها" .
اما التمكين فانه في كل شيء. من زرع الأنصار في الادارة الى تركيز النفوذ السياسي في القضاء. ومن لعبة التوريث في الرئاسات والوزارات الى تمكين حزب واحد الإمساك بكل خيوط الألعاب في البلد.
ولا محاسبة لأي مسؤول عن ذلك، بصرف النظر عن سجالات النكاية حول تحميل المسؤوليات، مع ان الكل مسؤول. والثلاثي المشارك في اللعبة يفرض نفسه كمسؤول عن ايجاد الحلول للأزمات، بحيث يكمل مهمته في الخراب الكبير.
يقول ارسطو "ان من يبتهج بالعزلة هو اما وحش او إله". ولا بهجة بالطبع للمواطنين العاديين في عزلة " كورونا". لكن خارج العزلة يلعب كثير من الوحوش ومن الذين يتصرفون كأنصاف آلهة.